المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حدث قبل خمس سنوات


القناص
04-26-2006, 11:17 PM
لاأدري هل هي صدفة ربانية ام ان الأقدار لابد ان تؤدي دورها ، فهناك و في بلاد النمسا وفي عاصمتها الجميلة فيينا ، كنت أمشى في جنبات شوارعها النظيفة و انظر الى العمارة الرائعة للهندسة النمساوية القديمة ، و اروح نفسي في هذا الصيف الملتهب في بلادنا الطيبة ، أمتع نظري بالزخارف الرائعة للمباني الجميلة ، وارى الناس تمشي مرحة فرحة ممسكة بأيدي بعضها البعض ، و صدى الضحكات تملؤ الدنيا ، و جمال الطبيعة يحيط بالمكان و قد إكتملت بحلاوة الجو و بشاشة النسيم الهادئ ، وجمال الوجوه المبتسمة ، و فجأة من بين جميع الضحكات ، و من بين جميع الكلمات و الأحاديث ، شدتني نغمة كلام أعرفها جيدا ، و ضحكات طالما أحيت فيني روح الحياة ، وأعطتني دافعا لمقاومة تصاريف الحياة ، نعم ضحكات لا أنساها مهما كانت الجموع و مهما كانت الظروف ، صوت سهرت على سماعه ، وضحكات طالما أيقظتني من منامي على صوتها عبر الهاتف ، والتفت ناحية الصوت وهناك كانت المفاجأة ، بل كان الموقف الذي زاد من إيماني بتصاريف القدر الإلهي ، فهناك و من بين جنبات طاولة المقهى كانت جالسة ، وتملؤ الجو بنغمات عذبة من ضحكاتها و جمال صوتها ، و كأن الزمن توقف ليعيد الي ذكريات خمسة أعوام مضت ، حين كنت طالبا في الثانوية العامة و في السنة النهائية ، أذكر حينها انني كنت أدرس و أجتهد و أناضل ساعات الدراسة لكي أحقق حلمي الأكبر ، كانت امنيتي أن أخطبها بعد تخرجي من الثانوية ، وان نتزوج بعد ان انهي دراستي الجامعية ، لقد وعدني والدي بذلك ، ووالدي رجل كلمة و مواقف ، ووعدني وعد حر ان حصلت على مجموع جيد ان تكون خطبتها هي هدية نجاحي و تفوقي ، وكان التحدي ، كلما خرجت من بيتنا بعد زيارتها لأختي كنت أقوم بإستجواب أختي عن أحوالها وأخبارها ، و كل من في البيت يعلم انها ستكون هدية نجاحي بإذن الله ، وهي كانت تعلم بذلك لكون أختي قد اخبرتها بقصة الهدية فزاد ذلك من المودة بيننا ، وأصبحت أختي كالحمام الزاجل تحمل برسائل المودة بيننا ، حتي جاء اليوم الذي سمعت فيها صوتها العذب و ضحكاتها الجميلة عبر هاتف غرفتي ، و كانت أجمل لحظاتي و أفضلها ، ومرت شهور الدراسة و كنت قد بلغت من الأجتهاد و المثابرة حدا جعلني أوقن انني ان لم أكون الأول على مستوى الأمارة ،فأنا الأول على مستوى مدرستي ، و كان والدي رحمه الله يعاملني معاملة الرجال ، و كان يعلم جيدا ما الذي يفعله ، و جاء اليوم الموعود و ظهرت نتائج الثانوية وكانت المفاجأة المتوقعة 99.6 % الأول على مستوى المدرسة و الرابع على مستوى الدولة القسم العلمي ، وأوفيت بوعدي و جاء دور والدي ليفي بوعده .

ذهبنا في ذلك اليوم قبل خمسة أعوام الى منزل ذويها ، مصطحبا والدي رحمه الله و اخي الأكبر و عمي وخالي لخطبة هدية تفوقي ، والدها رجل واقعي يؤمن بما يراه امامه و لاينظر الى الأمام ، يحب ان يعيش لحظاته في حينها ، لذلك حين طلبنا يد إبنته ، لم يكن رافضا للفكرة و لكن كان يظن ان الوقت لم يحن بعد ، وان علي ان انتظر حتى انهي دراستي الجامعية و ان أعمل من كد جبيني ، و ليس إعتمادا على ثروة والدي رحمه الله ، و كان محقا في رأيه ، إلا ان والدي رحمه الله كانت رؤيته ابعد فحاول ان يقنعه بالخطوبة حتى يتسنى لي الزواج بعد التخرج ، و لقد وفيت بوعدي في الثانوية لأجل الخطوبة فكيف لو كان لأجل الزواج ، و لكن والدها أصر على رأيه و قال : "البنت بنتكم والولد ولدنا و ان شاء الله يكونون من نصيب بعض ، بس لازم الإنتظار و بعد العمر جدامهم طويل" . لم يكن أبي رحمه الله من النوع الذي يجادل و يماطل و انما خير الكلام ما قل و دل ، و عندما عدنا الى البيت قال لي والدي : " ياولدي انا حاولت اني اوفي بوعدي لك لكن هذا شي مو بإيدي ، لكن الريال ما رفضك لكن ينتظرك إتخلص دراستك ، و انا أثق فيك لكن الريال عنده حق ، و ان شاء الله إذا الله عطانا عمر هي بتكون من نصيبك" . لاأدري حينها لماذا شعرت بأن العمر لن يمهل والدي طويلا وان بفقدانه سأفقد كل شي حتي هديتي .

وأذكر ان أختي كانت تخبرني ان هديتي كانت تتمنى لو وافق والدها على الخطوبة ، ولكن تصاريف القدر الإلهي لم تكن تتوافق معنا. بعدها خرجت في بعثة دراسية نحو الولايات المتحدة و أثناء دراستي وصلني نبأ وفاة والدي رحمة الله فرجعت الى وطني الحبيب لأزرع في جوفه جسد رجل قل الزمان ان يجود بمثله ، رحم الله والدي ، وعدت الى الولايات المتحدة لأكمل دراستي و كانت أختي ترسل الي بأخبارها وأخباري حتى بعد ان تزوجت أختي ، كانت بين الحين و أِخر ترسل الي أخبارها ، حتى وصلني خبر كأنه خبر وفاة والدي رحمه الله ، ان هديتي قد خطبها رجل أخر وان زواجها سيكون خلال أسبوع ، و عدت الى وطني لأحمي حبي و حلمي ، وذهبنا الى والدها بصحبة أخي و عمي ، واستقبلنا إستقبال طيبا ، و كان يعلم سبب مجيئنا فكان الجواب حاضرا : " ياولدي هذه قسمة و نصيب ، و الله سبحانه يقدر الأرزاق ، وانت ريال بعدك اول الطريج وبتحصل غيرها " . " و لكنك وعدت والدي الله يرحمه ياعمي ". "أدري ياولدي لكن والدك اتوفى ، وهذا اللي إتقدم لها إنسان خلوق و جاهز ياولدي و حرام احرمها منه علشان انت بعدك ما خلصت " . لم يكن يفيد في الكلام شيئا و كأن الرجل قد إتخذ قراره و لن يغيره ، و هكذا دفنت في وطني الحبيب مرة أخرى حبي و حلمي لآعود الى الولايات المتحدة و أحصل على شهادتي و بتفوق ، وعلمت انها قد تزوجت و ذهبت الى بيت زوجها , و شاءت الأقدار الربانية بعد فراق خمسة أعوام ان أراها في هذا المكان الذي يبعد ألاف الأميال و هي التي كانت تجاور بيتنا بضع مترات ، ياترى هل نسيتني ؟ لاأدري ؟ إقتربت قليلا لأملأ ناظري منها ولأتأكد منها ، و بالصدفة رأتني و كأنها رأت شبحا أو حلما راودها منذ زمن بعيد ثم أختفي ، و التقت عيوننا وكان في بريق عينها كلمات كثيرة و أحاديث عديدة تود ان تفصح لي عنها و لكن لا تستطيع ، و فجأءة خرق صوت ناعم لطفل صغير يهرول نحوها قائلا : "ماما ماما شوفي بابا أشترى لي أيس كريم" . و صرفت بعينها ناحية الطفل الصغير و حضنته ورمقت ببصرها نحوي ، و كأنها تقول : "وددت انه أبننا" لكن هيهات للأقدار ان ترجع الى الوراء و تعيد الزمن ، و ظهر زوجها من محل القهوة حاملا أيس كريما و قدمها اليها لتأكله ، و لم ارد ان أحرجها امام زوجها فعبرت ماشيا محاولا السير بجانبهما سريعا و عندما تجاوزت المكان سمعت كلمة علمت انها لم تنساني ابدا و اني مازلت حلمها البعيد وانها لم تجعلني في طيات الماضي السحيق لقد قالت : "(خالد) لا إتخيس ثيابك بالأيس كريم ياولدي" .



منقوووول