المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مواجه قصيرة


القناص
04-27-2006, 06:17 PM
فى إحدى الأماكن الخفية , المنحدرة , المعتمة , والتى – كما يقولون – لا يعرفها الجن الأزرق .. إنحنى رجلان منهمكين فى ترتيب أدواتهم وخططهم , كان أثر الجدية على أحدهم ظاهر إلى حد بعيد , أما الآخر فقد كان متوتراً , مضطرباً ,متردداً .. ظلوا هكذا حتى قام هذا الصارم وقال :

" هيا .. "

ولكنه لا حظ عدم إستجابة الآخر له , بل وإنه كان عاكفاً عن ترتيب حاجاته واحتياجاته , وكان ناظراً تجاه موضع قدميه .. فقال له هذا الجاد :

" ماذا .. ما بك ؟ "

ظل هذا ناظراً تجاه قدمه لبرهة , ثم فى برود وجه رأسه ناحية الرجل الجاد وقال :

" لما لا نؤجل تلك العملية لوقت لاحق .. أو .. أو نلغيها ... إسمع , نلغيها للأبد "

نظر له هذا الصارم نظرة عميقة , ثم فى تؤدة وضع حقيبته على الأرض , وتهيأ لفتح حوار :

" حسناً .. لقد تأخرنا على كل حال , ويبدو منك توتر زائد وواضح , وهذا معناه أنى لو أردت أن أذهب سأذهب وحدى , وأنت تعلم جيداً أن تلك العملية تحتاج إلى إثنين حريصين جداً , وأنت لن تأت على كل حال .. إننى أعرفك جيداً "

وسكت لبرهة , ثم تابع :

" دعنا نؤجلها إلى يوم تكون أنت مستعد فيه أتم الإستعداد .. "

ثم إستطرد مسرعاً :

" ولكن قل لى .. لماذا تريد أن نلغيها .. ؟ ..بل أنت قلت نلغيها للأبد , ماذا عنيت ؟ "

كان الآخر جالساً ولا ينظر للرجل وهو يتكلم , وبدا على وجهه علامات نفور مختلطة بعلامات عدم ارتياح , وقال :

" إسمع .. لقد عنيت – كما قلت – أن نلغيها للأبد .. بل وأن نلغى أى عملية أخرى للأبد "

قال هذا من هنا , ونظر له الرجل الآخر من هنا نظرة عميقة أعمق من التى سبقتها , ثم دنا منه , وجلس بجواره , وبدأ فى حديث :

" ما دهاك يا صاحبى ؟! .. كيف لك أن تفكر فى هذا , هذا هو عملنا الذى نشأنا عليه , وطورناه بفضل عقولنا ومساعدة كل منا للآخر .. قل لى , ما أصابك ؟ "

أخذ الرجل نفساً عميقاً , وحك فروة رأسه , وقال :

" إنى ... لا أعلم .. فقط أحسست أنه من صفات الرجولة والإعتماد على النفس وتحمل المسئولية أن نقوم بعمل مفيد فى هذه الدنيا .. عمل نكسب من ورائه الأموال بلا خوف وبكل طمأنينة "

وقبل أن يرد عليه الرجل الآخر إستطرد هذا قائلاً :

" إنى يأست من هذا العمل المقيت , فعلاً يأست , لما لا نستغل صحتنا وعقولنا ودراستنا وثقافتنا فى شىء مفيد بدلاً من عمليات السطو والتسلل وغيرهما ؟ "

هنا غير الرجل الآخر الكلام الذى كان سيقوله , فقال :

" يأس ! .. يا عزيزى , الم تسمع ( مصطفى كامل ) حينما قال " لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس ؟ "

قال باسماً :

" لا لم أسمعه , لم أكن قد وُلِدت حين قالها "

لم يضحك الرجل الآخر وقال على هيئة أنه تذكر مايريد قوله :

- " عندما تكلمت عن الرجولة والمسئولية والاعتماد على النفس , ألا تفعل كل هذا أثناء كل عملية ؟ "

- " لا تسفسط يا صاحبى .. لا تسفسط "

سكتوا لمدة ثوان .. ثم قال هذا اليائس :

" ودعك من هذا كله , الم تفكر فى شأن الدين , أيرضى الله عن أفعالنا تلك ؟ "

نظر له الرجل الجاد , وعقد حاجباه , ثم بسطهما , وقال :

" كل أفعال الإنسان مقدرة عليه سلفاً , وهى من خلق الله : ( جهم بن صفوان ) "

أخذ الآخر نفساً ثم أخرجه وقال باسماً :

" كيف يحاسبنا الله على أعمال نفذناها بأفعال من خلق الله نفسه ؟! .. إن المسئولية يجب أن تكون كاملة على الإنسان غير منقوصة : ( إبن رشد ) "

فتكلم الآخر بلهجة الخاسر :

" حسناً يا فيلسوف العصر , ماذا تعتقد أنه علينا فعله ؟ "

أسند الرجل رأسه على يده وقال :

- " أى شىء غير ما نعمل به الآن "

- " حسناً , وهذا ( الأى شىء ) سيكون عملاً مفيداً .. وسنعمل مع أفراد غيرنا , سنعمل مع آخرين ؟ "

- " نعم "

تكلم الرجل الصارم بصيغة جادة :

" الآخر يسلبنى حريتى .. : ( سارتر ) "

دار الرجل الآخر بعينه كمن يبحث عن رد مناسب , ثم قال :

- " لقد خلقنا الله أحراراً ... : ( أحمد عرابى ) "

- " أتضع ( أحمد عرابى ) فى مواجهة ( سارتر ) ؟! "

أخذ الآخر نفساً , ثم قال :

- "حسناً , حتى لو .. ماذا يضرك لو سُلِبت حريتك ولكن أصبحت فى طمأنينة وسلام دائم وحب مع الناس ؟ "

- " أصبح عديم الفرح والسرور , لأكون يائس وحزين "

قال الآخر مسرعاً ومبتسماً إبتسامة كبيرة :

" نوم بعد مشقة , ومرفأ بعد بحار عاصفة , ويسر بعد حرب , وموت بعد حياة .. تجلب أعظم السرور : ( جوزيف كونراد ) "

سكت الرجل الجاد قليلاً ثم قال :

" حسناً , هذه هى وجهة نظر الكاتب ( جوزيف كونراد ) , وأنا لا أوافقه الرأى على الإطلاق , لأن تمهن أى مهنة سوف يربطنى بمواعيد ويسلبنى حريتى لتعاملى مع الآخرين , وسأكون ذليلاً تحت أقدام رؤسائى .. فتلك – وجهة نظر ( جوزيف ) الحمقاء – لا تناسبنى "

واستطرد مسرعاً :

" واعلم أن الإنسان معيار الأشياء جميعاً : ( بروتاجوراس ) "

هز الرجل رأسه هزة نفى , وقال :

" أتستشهد بسوفسطائى ! .. حسناً , سأقول لك أن العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس : ( ديكارت ) "

رد الآخر مسرعاً :

- " وهل العقل يقول لك أن لا تكون حراً ؟ "

- " لا "

- " وهل العقل يقول لك أن لا تكسب أموالاً ؟ "

- " .. لا "

- " حسناً , فأنت تقر بإستعمال العقل لجلب الأموال , وكونك حراً فى آن واحد , وهذا ما يتحقق فى عملنا الأساسى "

- " لا , أنا لا أقر هذا أبداً ... أنا ... "

ولم يستطع أن يكمل من كلامه شيئاً , فقال الجاد باسماً :

- " نعم .. أنت ماذا ... ؟ "

- " أنا أتكلم عن الأخلاق , أين أخلاقك .. إن لم يكن لديك فتعلمها "

قال الرجل ولازالت نفس الإبتسامة على وجهه :

" الفضيلة علم لا يُعَلّم : ( سقراط ) " واستطرد :

" وأنا معترف أنى جاهل .. أتمانع ؟ "

لم يعد هناك شيئاً آخر لدى الرجل اليائس ليقوله ..

وقام الرجل الجاد من موضعه , وظل يعد فى عدة جديدة , وظل يمشى جيئة وذهاباً فى أنحاء المكان , حتى قال الرجل الجالس :

" وماذا الآن نويت فعله .. ؟ "

فقال الرجل الجاد :

- " يا صاحبى .. أنت لم تقنعنى بشأن العمل الآخر , غير أنى غير مقتنعاً به أصلاً , فضلاً عن أنى مستريح لعملى الذى نشأت عليه "

- " حسناً .. فماذا ؟ "

سكن الرجل من الانهماك وقال :

" سأظل فيما أنا فيه "

قال الآخر فى توتر :

" وحدك ؟ .. ستعمل فى العمليات وحدك , دون مساعدة ؟! "

نظر له فى جدية وقال :

" أآت .. ؟ "

قال الآخر فى تحفظ :

" لا .. لقد عزمت على ترك هذا للأبد , ولأبدأ أنا فى أى عمل آخر " واستطرد :

" ولكن كيف تذهب وحدك هكذا فى هذه العملية وأنت تعلم جيداً أنها تلزم فردان لأن تتم , و .. ويحك , لقد تأخرميعاد العملية كثيراً أيضاً ؟! "

قال الجاد فى عدم إهتمام :

" لا عليك ... " قال هذا وهو يجمع أدواته فى حقيبته ويتمم على ردائه , فقال له الرجل الآخر الذى بدى خائفاً عليه , قال محذراً :

" إعلم أنك لا تنزل فى نفس النهر مرتين : ( هيراقليطس ) "

فنظر له الرجل الجاد نظرة عميقة .. ثم إستزاد ببعض الأسلحة المدمرة , وقال وهو يرحل :

" الغاية تبرر الوسيلة : ( مكيافيللى ) "


............

تمت

BESSO
04-27-2006, 06:29 PM
مشكور أخوى على موضوعك

$$مدور خير$$
04-27-2006, 08:25 PM
مشكووووووووووووووور

أبو ناصر
04-28-2006, 02:49 AM
مشكورر على هذه الموضوع

القناص
04-28-2006, 11:19 AM
شكررررررررررررااا