BeMyLove
03-03-2006, 03:57 PM
الحــــل الأخيـــــر
بقلم حارس الارواح
بمنطقه بعيده ، و بجزيره بوسط الخليج العربي ، .... كانت هناك وما تزال جزيرة تسمى ( طنب الكبرى ) ..
وفي هذا اليوم الموافق للعشرين من شهر اكتوبر لعام الف وتسعمائه وسبعيـن ( 1970 ) ...
وقف يوسف بالقرب من ساحل البحر ، .. وكانت سواحل ها الجزيره ممتده امتداد كبير على شواطيء الخليج العربي .. من ( راس صنقور ) شرقا.. ولغايـــة ( راس الجناه ) غربا ،... والمنطقة اللي يتواجد فيها يوسف هيه منطقة ( راس الجناة ) على الطرف الغربي من الجزيره ...
كان يوسف واقف وراء تل صغير وبالقرب من ساحل البحر ، وكان يراقب مجموعه من البنات الموجودات على الساحل . ...
وكانت البنات تتواجدن في ها لوقت بشكل شبه يومي ، و هدفهم معروف طبعا وهوه غسيل الثياب في البحر قبل تحليتها بالماي الحلو بعدين ، ... مثل ما متعارف عليه في هذا الوقت ... وفي هاي الجزيره.
كان الساحل يضم مجموعه كبيره من البنات ، لكن انظار يوسف ما كانت اتشوف الا بنيه وحده بس .... هيه... غايـــه ..
واستمر يوسف و لفتره طويله وهوه يطالعهم ... بالرغم من أن هالفعل يعتبر بعرفهم عيب وفعل منبوذ .. وهالمكان بالذات مخصص اصلا للحريم ... وبالتالي فان وقوفه هنيه يتنافى كلية مع عاداتهم وتقاليدهم ودينهم ..
واثناء ما كان نظره شارد باتجاه غايه ..شعر بيد انسان تضرب على كتفه برفق.. ولما التفت خلفه ، شاف صديقه حسن يطالعه بنظره عتاب وهوه يقول :
حسن : يا يوسف ، كم مره قلتلك ، عيب تتطالع الحريم ، افرض حد شافك هنيه شو بيقول ، وبعدين لا تنسى انك ولد شيبان اكبر تاجر في الجزيره .. يعني شخصيه مهمه في الجزيره كلها ، ولازم اتكون حريص على حرمة بنات المنطقة مب اول من ينتهكها .
ابتسم يوسف وقال بلهجه هاديه :
يوسف : ومنو قالك اني واقف اتطالع البنات .
استغرب حسن من كلامه وقال :
حسن : عيل ... شو قاعد اتسوي ..
يوسف : صحيح ان نظري صوب الكل .. لكن العين ما تشوف غير وحده بس ... شوفتها اتغطي على كل نساء البشر .
بدت ملامح الدهشه واضحه على ويه حسن وهوه يقول :
حسن : يوسف ... شو قصدك .... لا تقولي حبيت ...
ابتسم يوسف من كلام حسن وقال :
يوسف : وشوفيها اذا حبيت ... لا هو عيب ولا حرام ...
حسن : انا ما اقصد جذيه .. بس انته اتعرف عاداتنا .. الحرمه ما انشوفها الا يوم الدخله.. اما سالفة الحب والهيام .. فمالها وجود الا بقصص العشق والغرام .
اتحرك يوسف من مكانه وقال بصوت هادي :
يوسف : يا حسن ، الزمن اتغير ، واحنا الحين في بداية السبعينات ، واللي كان ممنوع بالامس ، اصبح مسموح اليوم .
سكت حسن ثواني قبل لا يقول :
حسن : .. والله ماادري ... بس منو هاي اللي سرقت قلبك وتكفيرك ومتى ...
التفت يوسف اتجاه البحر وقال بصوت خافت :
يوسف : بجاوبك على الجزء الاخير من سؤالك ... متى .... وبقول .. من زمان ، من يوم ما كنا صغار .. كنا نقعد مع بعض .. نضحك مع بعض .. كنا دايما نقعد على البحر ونلعب كل الالعاب اللي انحبها ... كنت يوميا اقعد على البحر وانتظرها .. وعمري ما مليت من انتظارها .. سواء اشفتها..... ولا ما شفتها ...
بدت علامات الدهشه على حسن ومن ثم قال :
حسن : هيه بس البنت الحين اكبرت ، وما يجوز اتشوفها ...
يوسف : كم اتمنيت لو ظلينا صغار ...
قاطعه حسن وهوه يقول :
حسن : انزين .. قولي .. ليش ما اتعرس ابها ، انته الحين كملت 18 سنه وبلغت سن الرشد ، وابوك ما عليه قاصر ، ابوك ما شاالله عليه اكبر تاجر في الجزيره نفسها.. وما بيقصر على ولده بشي .
قال يوسف وصوته يحمل نبرة حزن :
يوسف : هنيه أساس المشكله.... انه اكبر تاجر .
قال حسن بدهشه :
حسن : هاااه ؟! كيف يعني ما فهمت ..
جاوبه يوسف بصوت يقطر مراره بقوله :
يوسف : خايف يرفض ..
حسن : وليش يرفض ... انته طالب منه شي غلط .
يوسف : انا ما قلت جذيه .. انا خايف يرفض البنيه لذاتها .
حسن : ليش ؟ّ! .. البينه فيها شي يعيب .
يوسف : بالعكس .. البنيه ماشاالله عليها ، ستيره ... طيبه ... دينه .. واخلاقها عاليه ..
حسن : عيل شو المشكلة ..
يوسف : انا اعرف ابوي زين .. اتعجبه المظاهر وايد .. ودايما ايقولي يوم تتزوج .. انا بدورلك على بنت العز.. ومن أكبر العائلات وأغناهم على الجزيرة ..
سكت حسن ثواني قبل لايقول :
حسن : أفهم من كلامك ان البنيه فقيره .
يوسف : هيه .. ومب ذنبها انها فقيره .. الغنى والفقر بيد الله .
تردد حسن قبل لا يقول :
حسن : امم .. يوسف ... انا بسألك عن شى .. بس لا تزعل مني .
يوسف : أفا عليك يا بوعلي ، انته اكثر من اخوي .. ومتربي وياي من زمان .
حسن : تسلم يا الغالي .. يعني بغيت اسأل .... اذا ها السؤال مايضايقك .. آآآ .. منو ها البنية ..
ابتسم يوسف وهوه يقول :
يوسف : هذا مب سر ... البنيه هيه غايه ..
حسن : غايه !! أي غايه .
يوسف : غايه بنت عبيد السماج ..
وبدهشه كبيره قال حسن :
حسن : غايه بنت عبيد السماج .... معقوله يا يوسف ... بنت السماج عاد ..
يوسف : ليش .. شو فيها ..
حسن : ما فيها شي .. بس ابوها ريال وايد فقير .. على الله وعلى ها السمج اللي ايصيده من البحر ..
يوسف : وشو فيها اذا كان سماج .. اكثر اهل الجزيره عايشين على خير البحر ..
ارتفع صوت حسن وهوه يقول :
حسن : انا ما قلت شي .. بس ها الريال.. ريال مريض ، وماعنده غير ها البنيه ، بعد ما اتوفت زوجته قبل سنين .. وفي اوقات كثيره ما يقدر يطلع البحر .. ولولا رحمة الله اولا وجيرانه الطيبين ثانيا ، شان ماادري شو بتكون حالته ... هذا ما لاقي ياكل يا يوسف ..
رد عليه يوسف بصوت أعلى :
يوسف : وشو ذنب هاالريال وذنب بنته ، اذا الله تعالى كتبلهم ها العيشه في الدنيا ... وما تدري يمكن الله بعد الشده يرزقهم ويغنيهم..والله على كل شيء قدير .
حسن : والله ما ادري .. بس تبى الصدق .. وحسب ما أنا اشوف صعب وايد، اذا ما كان مستحيل ان ابوك ايوافق ...
يوسف : الله ايعين .
حسن : وبعدين انته يا يوسف .. يعني.. شو اقولك .. قلت البنات في الجزيره .. عشان تختار ها البنيه بالذات .. ليش ما تختار بنت عائله كبيره .. ومعروفه .. اتشرفك ويرضى ابوك عنها ..
قال يوسف بمنتهى الحزم :
يوسف : عاد القلب اختار غايه ... وما يشوف في العالم غيرها ...
حرك حسن ايده بانفعال وقال :
حسن : قلبك هذا ما وراه الا المصايب ...على العموم خلنا انروح بسرعه قبل لا احد ايشوفنا في ها المكان وتستوي مشكله .. انته اتعرف زين طبع اهل الفريج .. حارين .. ما يرضون حد يشوف حريمهم ..
يوسف : يا الله سرنا عيل ..
حسن : يا الله .
*********
في اليوم الثاني .. وقف يوسف بنفس المكان .. وراء التل الصغير عند الساحل وعينه على البحر .. وباتجاه انسانه وحده بس .. غايه .. ما قدر يصبر ولو يوم عن شوفتها ..
كانت الحريم والبنات اتغسلن الثياب بنشاط واضح .. ومع الغسيل كانت السوالف شغاله .. والبنت او الحرمه اللي اتخلص شغلها تتريا جماعتها ليما ايخلصن . او تتريا ربيعه من ربيعاتها على الأقل .. أو في حالات نادره ترجع بروحها اذا كان شغلها وايد ...
بعد مرور وقت مب قصير من بداية ها الغسال .. تناقص عدد البنات بالتدريج ... وما بقى على الساحل الا بنتين بس ... موزه وغايه .. وكان لسان موزه مثل امواج البحر اللي ما تسكن ولا توقف ولو دقيقه .. ومن ضمن ما كانت اتقول :
موزه : اف .. تعبت .. ظهري انكسر .. شاني مغسله ثياب فريج كامل ..
ابتسمت غايه وهيه اتقول :
غايه : الله ايعينج ، الطشت ( الكعد ) مالج ما فيه غير الربع واتقولين تعبانه ..
وبصوت مبحوح من كثرة التعب قالت موزه :
موزه : ها الربع هد حيلي ، وما خلى فيني شده .... بس انا صراحة مستغربه منج وايد يا غايه ..
قالت غايه في اهتمام واضح :
غايه : ليش ؟!
موزه : انتوا في البيت اثنينه بس ، انتي وابوج .. وانا يوميا اشوفج شاله كعد متروس ثياب ، .. وين اتيبين ها الثياب كلها ؟!
ابتسمت غايه وهيه اتقول ..
غايه : اكيد طبعا.... مب كلها ثيابنا ..
موزه : ثياب منو عيل ..
غايه : أنا كل يوم وبعد ما تطلع الشمس ، أمر على بيوت الفريج ، واللي تباني اغسلها ثياب بيتها ، آخذها منها .. وتعطيني المقسوم .
قالت موزه بعد ما خفت دهشتها :
موزه : بس جذيه تعب عليج... تعب وايد ..
قالت غايه بصوت حزين :
غايه : شوأسوي يا موزه .. أنتي ادرى بحالتنا .. ابوي ريال فقير ومريض وما يقدر يطلع البحر كل يوم وانا احاول اساعده باللي اقدر عليه .. صحيح ان عيال الفريج الطيبين ما يقصرون ..لكنهم في النهايه على قد حالهم ، ومايصير انثقل عليهم ...
موزه : الله ايعينج يا غايه .. الحياه صعبه ...
غايه : الله كريم .
موزه : الله يرزقج بريال طيب ، يريحج ويخفف عنج ..
ابتسمت غايه وهيه اتقول :
غايه : قصدج يحبني ويغرقني بحنانه ..
ضحكت موزه وهيه اتقول :
موزه : حب ... ادورين على الحب .. الحب هذا مانسمع عنه الا في القصص .. البنت ما تشوف ريلها الا ليلة العرس واتقولين حب ..
غايه : كل شي يتغير يا موزه و ..
قاطعتها موزه وهيه اتقول :
موزه : الا تفكير اهالينا وعقدهم .
غايه : يجوز .
سكتت موزه فتره قبل لا تمازح غايه وتسألها :
موزه : انتي ما جربتي اتحبين ؟
غايه : كنت ومازلت أحب ..
استغربت موزه من كلامها وقالت :
موزه : قولي والله .. انا كنت اسولف وياج يوم سألتج ها السؤال .
ابتسمت غايه وقالت :
غايه : وانا ما اسولف يوم جاوبتج .
موزه : ومن متى ها الشي .
غايه : من سنين .
فتحت موزه عينها وهيه اتقول :
موزه : من سنين ؟! اللي يسمعج ايقول هذي بنيه عمرها فوق العشرين ، مب شانج من اسبوع واحد مكلمه 16 سنه .
غايه : انا قصدت من يوم ما كنا نلعب في الفريج واحنا صغار ، صحيح اني ما اتذكر شكله الحينه بعد ماكبرنا .. لكن حبه مزروع بكياني كله ..
ضحكت موزه بخبث وهيه اتقول :
موزه : يعني أنا اعرفه .
غايه : أكيد .. وكل اهل الجزيره ايعرفونه ...
سالت موزه باهتمام :
موزه : منو قصدج ..
غايه : يوسف ..
موزه : أي يوسف ..
غايه : يوسف ولد شيبان ..
اتفاجأت موزه لدرجه ان الثياب طاحت من ايدها وقالت :
موزه : يوسف ولد شيبان ؟! انتي شو اتخبلتي .. انتي وين وهم وين .. هذيل ناس فوق ، ابوه اكبر تاجر في الجزيره ...ربع البيوت وعقارات الجزيره ملكه ، معقوله يوسف بيودر بنات العز والقبايل الكبيره ، وبيطالعج انتي ... انتي اللي ما لاقيه لقمه تاكلينها ... واسمحيلي على كلامي بس هذي هيه الحقيقه ..
نزلت غايه عينها للارض وهيه اتقول :
غايه : انا عارفه ها الشي زين .. وادري انه مستحيل ايفكر مجرد تفكير فيني .. لكن شو اسوي.. حبه في قلبي.. وما قادره اطرده ...
موزه : وشو بتستفيدين من ها الحب .
غايه : على الاقل اعيشه ... وان كان مجرد حلم ..
موزه : صدقج .. الفقراء ما يملكون الاحلام ..
ومع آخر كلماتهم.. انتهت موزه نهائيا من غسل الثياب ولحظتها قالت :
موزه : انا خلصت غسال اليوم .. انتي بعدج مطوله ..
غايه : هيه والله مطوله شوي .. بس انتي برايج روحي .. انا بخلص وبرجع بروحي ..
موزه : ما يصير اخليج بروحج ..
غايه : لا تخافين .. البلاد أمان .. وبيتنا جريب ..
موزه : انزين ما عليه.. بخليج الحين .. بس لا تتأخرين ...
غايه : انشا الله ...
وراحت موزه وماظل على ساحل البحر غير غايه ..
وعلى بعد امتار بسيطه ، كان يوسف مازال واقف وراء التله الصغيره ويراقب المكان ، ولمح موزه وهيه اتغادر المكان.. وهذا معناه أن غايه موجوده الحين بروحها ...
فكر يوسف انه يتجرب منها ويكلمها .. لكنه اتراجع في آخر لحظه .. لانه ايعرف تماما ان ها الفعل يعتبر في عرف الحي عيب او حتى جريمه ... ولو لمحهم أي من المارة بتكون أشبه بالفضيحه اللي تتحمل مسؤوليتها البنت قبل الريال ...
لكن .. الشوق كان أقوى ... ولهذا شعر يوسف برغبه شديده وحس بجرأه عجيبه مصدرها الحب الساكن بقلبه ... حب غايه ..
واتجرب منها اكثر واكثر ..
وفي ها الاثناء كانت غايه اتغسل الباقي من الثياب ، وكان ويه غايه مواجه البحر ، ...والكعد وراها .. واتجرب منها بهدوء ليما صار وراها وخلف ظهرها تماما وبدون ما تحس فيه .. وظل يطالعها وهيه اتغسل .. واول ما خلصت غسال الثياب اللي في ايدها .. رفعته من الماي والتفتت وراها عشان اتحطه في الطشت ( الكعد ) .. واول مااستدارت للخلف.. اتفاجأت بيوسف واقف وراها .. وعلى طول فرت كل اللي في ايدها من ثياب ... وحطت ايدها على صدرها وصرخت بويهه وهيه اتقول ..
غايه : انته ما تستحي ...
ابستم يوسف وهو يقول :
يوسف : انتي الوحيده اللي ما استحي منها ابدا ..
كان الخوف واضح على ويه غايه وهيه اتقول :
غايه : انته منوه وشو تبى ..
يوسف : ما اسرع ما نستيني .. مب كأنا لا عبين مع بعض قبل سنين بسيطه .. انا يوسف.... يوسف بن شيبان ..
حست غايه برعشه بكل شعره بجسمها يوم سمعت اسمه .. لكنها تابعت :
غايه : الله ايخليك روح الحين .. اذا حد شافنا بتصير مصيبه ..
يوسف : انا ما صدقت اني اشوفج واكلمج واتقولين روح ..
غايه : ابوس ايدك روح الحينه .. المكان مكشوف .. وانا بنيه .. و
قاطعها يوسف وهو يقول :
يوسف : ما بروح الا بشرط ..
كانت غايه في قمة ارتباكها وعشان جذيه قالت :
غايه : أي شرط الحينه .. قول بسرعه اللي تباه ..
يوسف : اليوم بعد المغرب ابغي اشوفج وراء النخل الجديم ..
فتحت غايه عينها وهيه اتقول :
غايه : انته شو اتقول انا ما اقدر اسوي ها الشي .. ما اقدر .. ما اقدر ..
يوسف : على كيفج .. بتم قاعد هنيه ليما اتوافقين ..
كان الموقف صعب وايد على غايه ، وخوفها خلاها اتقول ليوسف :
غايه : انزين خلاص , روح الحين الله يخليك ..
يوسف : يعني بتيين اترياج .
ردت غايه بسرعه :
غايه : هيه .هيه .. بس روح .
ابتسم يوسف وهو يقول :
يوسف : انشا الله ، انا على الموعد ، اشوفج على خير ..
واتحرك يوسف بخطوات سريعه وهو يبتعد عن المكان ، وساعتها حست غايه بارتياح كبير ، واتلفتت حواليها خوفا من وجود أي حد يشوفهم ، ولما اتأكدت من خلو المكان زاد ارتياحها ، واتحركت مباشرة الى البيت وهيه ما مصدقه اللي صار .. يوسف بنفسه كلمها .. صحيح انها ما قدرت اتكلمه بسبب حساسية الموقف .. لكنه على الاقل فكر فيها واتجرب منها ...
وطول ما هي ماشيه في دربها لبيتها ، وهيه اتفكر .. اتفكر بكلامه الاخير ، وهوه انه يبى ايشوفها اليوم بعد صلاة المغرب وراء النخل القديم ..
وقالت في نفسها : لما قالي تعالي ،... انا وافقته عشان يبتعد عني ويخليني بحالي لا اكثر ... لكن الحين انا حاسه عمري منجذبه لها الموعد ...
لكن .. معقوله اتقابله بعد المغرب في مكان منعزل وراء النخل ... لو حد لمحهم بتكون مصيبه ..بتضيع سمعتها للابد .. واهل الفريج ما يرحمون البينه اللي تلقي نظره على الولد فما بالك اذا قابلته واختلى فيها بمكان مهجور .. بتصير فضيحه لها ولابوها ولكل اهل الفريج مجتمعين ..
يوسف ريال وابوه معروف وما بيتأثر وايد .. لكنها هيه... الانسانه الفقيرة شو بيكون مصيرها ...
صراع فظيع دار ما بين عقل غايه .. وقلبها .... لكنها في النهاية اختارت عدو الحرمة الاول .. اويمكن حبيبها... وهوه.. قلبها ...
كانت فعلا مخاطره ... وعشان جذيه قررت في اعماق نفسها انها تنهي المقابله باسرع وقت ممكن .. لا .. وبتحمل معاها قطعه حديد واتخشها بثوبها خوفا من حدوث شي غير متوقع ...
ومضى النهار وغربت الشمس واقترب الموعد .....
**********
وبعد صلاة المغرب كانت غايه تتحرك ببطء وهيه قي قمة خوفها ، ولما وصلت للنخل ،.. ما شافت يوسف.. وعشان جذيه قالت في نفسها وبصوت مسموع :
غايه : يوسف وين سار.. ليش اتأخر .
ما وعت غايه الا بصوت من وراها ايقول :
يوسف : وانا اقدر اتأخر عليج ..
التفتت غايه لوراها ونزلت عينها للارض وحست برجفه في كل جسمها وهيه اتقول :
غايه : يوسف متى ييت ..
ايتسم يوسف وهوه يقول :
يوسف : من زمان .. بس انتي ما حسيتي فيني .. وانا حسيت فيج .
استمرت الرعشه والارتجاف في كل شعره من جسم غايه ، وبصوره واضحه وعينها متركزه على الارض... وهيه اتقول ..
غايه : اسمع يا يوسف .. انا يايه هنيه بس عشان اقولك.. مره ثانيه لا تلاحقني وتوقف في طريجي .. انزين .. ولا تتحراني بنيه فارطه وقاعده اركض واراك ، انا بنيه شريفه وكرامتي واحترامي فوق كل شي ... حتى لو كنت يوسف بن شيبان ولد اكبر تاجر بالجزيره .
لاحظ يوسف ارتباكها ورجفتها ، وعينها اللي ما ارتفعت من على الارض ، فقال :
يوسف : انا ما بطول عليج ، كلمتين وبتسيرين في حال سبيلج ..
قالت غايه بصوت متقطع :
غايه : قول بسرعه .. وقفتنا هنيه اكبر غلط ..
قال يوسف بصوت حنون :
يوسف : كل اللي اباه منج ..... إنتي ...
ارتجفت غايه بكبرتها يوم سمعت ها الكلمه وطلعت الحديده من ثوبها وقالت بانفعال :
غايه : شو تبى مني ... اسمعني زين .. انا اذبح عمري قبل لا اتمس شعره من جسمي ..
ابتسم يوسف وقال :
يوسف : انتي فهمتيني غلط .. انا ابى منج قلبج ، و على سنة الله ورسوله ،.... لكن في البدايه ابي اتأكد منج شخصيا .. اذا كنت فعلا استاهل خفقه وحده من قلبج ...
ما صدقت غايه اللي قاعده تسمعه ..
معقوله ..
يوسف اللي كان مجرد حلم .. يطلبها بنفسه ....و
مرت لحظات صمت قبل لا يقول يوسف بصوت خافت :
يوسف : هاه .. قولي .. موافقه علي .. ولا عندج راي ثاني .
ولأول مره من بدايه لقاءهم هذا ، رفعت غايه عينها من الارض ، وركزتها بعين يوسف ..
كانت تبى تصرخ او حتى تنفجر واتقوله هيه... انته الحلم يا يوسف... انته الحلم اللي ما فكرت بيوم يتحقق ...
حاولت اتقوله شي .. لكنها ما قدرت .. يمكن حيائها منعها .. او المفاجأه شلت السانها .. وما جاوبته الا بدمعه حاره من عينها ... دمعه فرح اليمه نزلت من عين ها الانسانه المسكينه... وكانت ها الدمعه ابلغ من أي كلام او حتى جواب ...
مزيج غريب من المشاعر حست فيه غايه بها اللحظات .. الخوف والفرح والدهشه والدموع والسعاده ....
وبابتسامه عريضه على شفاه يوسف ، وبنبرة فرح واضحه على صوته قال :
يوسف : هالدمعه الغاليه..... ابلغ من أي جـــــــواب ..
ردت عليه غايه بصوت مرتجف خافت :
غايه : بس يا يوسف ...
يوسف : بس شوه .
غايه : يا يوسف انا انسانه فقيره وبالكاد احصل لقمة يومي ، وانتوا ما شا الله عليكم آآآآ...
قاطعها يوسف بسرعه وقال :
يوسف : ما يعيب الانسان ابدا كونه فقير ، ... اللي عيبه تفريطه بشرفه وكرامته ... وانتي ما شاالله عليج رباج ابوج احسن تربيه .. وزرع فيج كل معاني الشرف والكرامه ...
ترددت غايه قبل لاتقول :
غايه : واهلك ... بيوافقون علي ...
ركز يوسف عينه في عينها وقال بصوت حنون وحازم بنفس الوقت :
يوسف : دام انج وافقتي علي ... بحارب الدنيا كلها عشانج ... واوعدج اني ما اكون لغيرج .. طول ما انا حي ... ومهما طال الزمن او قصر....
سكتت غايه وما عرفت شو اتقول .. ولهذا قال يوسف :
يوسف : انتي الحين سيري بيتكم وانتي مطمنه ، وانا اليوم قبل باجر بفاتح اهلي بالموضوع .. والله ايجيب اللي فيه الخير .. يا الله مع السلامه ..
واتحرك يوسف على طول بعد كلمته الاخير .. وخلى غاليه وهيه في قمة انفعالها ودهشتها ...
كانت اتكلم عمرها وهيه ما مصدقه واتقول :
معقوله اللي صار ..
معقوله الحلم يتحول حقيقه.. وبلمح الابصار .....
معقوله بودع... حياة الشدة والأمرار ...
معقوله بفوز.. بقلب يوسف .. أخير الاخيار ...
معقوله .. معقوله .. معقوله ..
***********
بعد ساعتين من ها اللقاء ، كان يوسف قاعد مع أمه في صالة بيتهم ، وكان ايقوللها :
يوسف : امي .. بغيتج بموضع مهم ..
بدا الاهتمام على ويه ام يوسف وهيه اتقول :
ام يوسف : موضوع ؟! أي موضوع ؟!
قال يوسف بصوت مرتبك :
يوسف : آآآ . أمي شورايج فيني ..
استغربت ام يوسف من سؤال ولدها لكنها قالت :
ام يوسف : من أي ناحيه ..
يوسف : من كل النواحي ..
ام يوسف : والله .. انا ما بمدحك لانك ولدي ..او لأنك ولد شيبان .. لكن كل اللي يعرفونك ايقولون عنك احسن كلام .. ما شا الله عليك .. عاقل ومدين ومؤدب.. والكل يتمنى قربك ..
حس يوسف بارتياح وقال :
يوسف : زين عيل ... طمنتيني ..
قالت امي ام يوسف باستغراب :
ام يوسف : مافهمت .. وضحلي أكثر ..
تردد يوسف وايد قبل لا يقول :
يوسف : أمي .. بصراحه... بغيت أعرس .
اتغير ويه ام يوسف من الهدوء الى الفرح الشديد وهيه اتقول :
ام يوسف : هذي الساعه المباركه .. وانا بذيك الساعه يوم اشوف ولدي الوحيد يوسف معرس .. واشوف بعيني .. واشل بيدي عياله واعيال عياله ..
قام يوسف من مكانه ، وحب أمه على راسها وهو يقول :
يوسف : الله لا يحرمنا منج يا الغاليه ..
أم يوسف : ولا منك يا ولدي ... وانا انشا الله من باجر بدورلك على أحسن بنت في الجزيره كلها ومن أكبر العائلات و..
قاطعها يوسف وهوه يقول :
يوسف : آآآ لا يا امي ، البنيه انا اخترتها خلاص ..
أم يوسف : اخترتها ؟! كيف اخترتها ... احنا من عوايدنا.. الام تختار لولدها ..
يوسف : كل شي يتغير يا امي .. زمنا غير زمنكم ..
ام يوسف : صدقك والله .. شباب هاليوم اطباعهم غريبه .. يبون كل شي باختيارهم .. حتى العروس ..
يوسف : هيه يا اميه .. الاختيار ايكون احسن على ما اظن ...
ام يوسف : هيه بس انته وين شفت ها البنيه؟! بنات الجزيره كلهم ستيرات ، وما يكشفن ويهوهن لحد ..
وبانفعال واضح قال يوسف :
يوسف : اممم ، انا شفتها يوم كنا نلعب مع بعض واحنا صغار .. وظلت صورتها مطبوعه بخيالي و محفوره بقلبي ..
سكتت ام يوسف فتره قبل لا تقول :
ام يوسف : انزين كم عمرها ..
يوسف : اصغر مني بسنتين ..
ام يوسف : اصغر منك بسنيتن .. انته الحين مكمل 18 سنه ، وهذا معناه ان عمر البنت الحينه 16 سنه ..
يوسف : بالضبط .
سكتت ام يوسف قبل لا تقول :
أم يوسف : مب شانها عوده شوي .
يوسف : ليش ؟!
ام يوسف : شو ليش بعد ؟! انا يوم اتزوجت ابوك كان عمري 12 سنه بس و ..
مره ثانيه قاطعها يوسف وهو يقول :
يوسف : يا امي قلتلج من قبل ، زمنا غير زمنكم ، اليوم عادي البنت توصل لسن الـ 16 وحتى الـ 18 سنه وهي ما معرسه ، وما تدرين يمكن ايي اليوم اللي اطوف فيه البنت العشرين وهيه مامعرسه ، او حتى توصل الثلاثين وهيه بعدها عا******ه ..
بدت الدهشه واضحه على ام يوسف وهيه اتقول :
أم يوسف : ما اتخليل بنيه توصل للثلاثين وهيه ما معرسه ... المهم قولي يايوسف .. بنت منو هذي وانا اخطبلك اياها من باجر ..
تردد يوسف قبل لا يقول :
يوسف : آآآ .. هذي غايه ..
أم يوسف : أي غايه ؟!
ارتبك يوسف قبل لايقول :
يوسف : غايه بنت عبيد السماج .
اتغير ويه ام يوسف يوم سمعت ها الاسم ، وبدون وعي صرخت في ويه وهيه اتقول :
ام يوسف : انته شو اتقووول .. ما حصلت غير ها البنيه .. بنت السماج عاد ..
رد عليها يوسف بصوت خافت :
يوسف :.. هذي الله اختارها قلبي ..
ام يوسف : أي قلب واي بطيخ ... انته ناسي انته ولد منوه ..
يوسف : مب ناسي ..
ام يوسف : ومدام مب ناسي ليش تختار ها البنت ..
يوسف : وشو فيها البنت .. ما شا الله عليها .. متربيه احسن تربيه ..وعايشه بكل شرف وكرامه ..
ام يوسف : هيه بس هم وايد فقراء ...
يوسف : يا امي.... الفقر والغنى بيد الله...
ام يوسف : حتى ولو .. لايمكن اوافق على خبالك هذا ..
يوسف : وتكسرين قلب ولدج الوحيد ..
خفت ام يوسف من نبرة صوتها وقالت :
ام يوسف : انا ما ودي اكسر قلبك بس ..
قاطعها يوسف وقال :
يوسف : يا اميه انتي عمرج مابخلتي علي بعطفج وحنانج .. وانا كنت ولا زالت اعتز فيج ، واعتبرج احسن أم في الدنيا .. والحين تبين تحرمين ولدج من ماي قلبه ..
ام يوسف : انا حياتي كلها ترخصلك يا يوسف .. بس .
يوسف : الله ايخليج يا امي .. لا تضيعين علي احلى امنيه و اكبر حلم في حياتي ... صدقيني انا ما اشوف في العالم كله الا غايه ..
سكتت ام يوسف فتره وهيه اتفكر .. وبعدها قالت :
ام يوسف : ..حتى لو وافقت.. ابوك مستحيل ايوافق .. هذا ريلي وانا اعرفه زين ...
يوسف : انتي حاولي بس ويمكن ايلين قلبه ويحن ..
ام يوسف : انا بحاول ... مع اني عارفه النتيجه .....
وبضحكه عذبه قال يوسف :
يوسف : تسلمين يا احلى ام في الدنيا ..
ام يوسف : انته الحين سير غرفتك وانا بقعد افكر بكلام اقوله لابوك يوسف : انشا الله ..
*****
بعد مرور حوالي ساعه .. دخل ابو يوسف البيت ، وشاف ام يوسف قاعده تنتظره واول ما دخل :
ابويوسف : السلام عليكم ..
ام يوسف : وعليكم السلام والرحمه .
ابو يوسف : شحالج يا ام يوسف .
ردت عليه ام يوسف بضحكه كبيره وهيه اتقول :
أم يوسف : انا بخير دام انك يا بويوسف بالف صحه وعافيه ..
ضحك بويوسف وهو يقول :
بو يوسف : اشوفج اليوم مستانسه ..
ابتسمت ام يوسف وهيه اتقول :
ام يوسف : معقوله اشوفك يا بويوسف وما استانس واطير من الفرحه بعد ..
ضحك بو يوسف مره ثانيه وهو يقول :
ابو يوسف : علينا ها الكلام يا حرمه.. انتي اكيد عندج شي وتبين اتقولينه .. انتي حرمتي وانا عارفنج .. عشرة عمر ..
ام يوسف : ما شاالله عليك .. تفهما وهيه طايره ..
ومع ابتسامه عريضه قال بو يوسف :
ابو يوسف : اول شي .. صبيلي استكانة شاي .. وبعدين خبريني باللي عندج.
قامت ام يوسف من مكانها ويابت دلة الشاي وصبت لريلها استكانه شاي وقالتله :
ام يوسف : انا بخبرك بشي عن ولدنا يوسف ..
التفت الها بويوسف وقال باهتمام واضح :
ابو يوسف : ولدنا يوسف ؟! ...فيه شي ؟!
ام يوسف : ما فيه الا الخير والعافيه .. بس هوه خبرني بموضوع مهم ، ويباني اخبرك اياه ..
ابويوسف : موضوع ؟؟ أي موضوع ؟ ..
سكتت ام يوسف لحظات ومن ثم قالت :
ام يوسف : الصراحه .. يوسف يبى ايعرس ..
التفت بو يوسف صوب ام يوسف ، وبدت عليه ملامحه الفرحه وهو يقول :
بو يوسف : الحمدالله .. اخير اقتنع .. انا من فتره اقوله واحن عليه عشان ايعرس .. انا بخاطري اشوف عياله وعيال عياله و..
قاطعته ام يوسف :
ام يوسف : يعني انته موافق ..
بو يوسف : الا موافق ... ومية موافق بعد .. وكل مصاريف العرس على حسابي ... لا تحاتين أي شي .. انتي بس اختاري العروس الزينه بنت العز والنسب وخلي الباجي عليه ..
سكتت ام يوسف فتره وهي اتفكر ، وكان واضح عليها التردد وحتى الخوف .. لكنها قالتله ..
ام يوسف : ولدك خلاص اختارها ..
فتح بويوسف عينه من فرط الدهشه وقال :
بويوسف : هاااه ؟ يعني كيف اختارها .
ام يوسف : يعني حاط عينه على وحده معينه ، ويبى يتزوجها .
بو يوسف : ومن متى الريال يختار البنيه عدنا ، هالشي مو من عوايدنا ولا تقاليدنا ..
ام يوسف : يا بويوسف .. زمنا غير زمنهم .. شباب اليوم غير .. واللي في بالهم يسوونه... والشاب اذا حط البنيه في راسه .. صعب تقنعه باختيار غيرها ..
بويوسف : صدقج والله ، جيل ها اليوم ما ينحكم ... بس .. تذكرين يا ام يوسف .
ام يوسف : اتذكر شوه .
بو يوسف : يوم خذتج ..
استغربت ام يوسف من كلامه وهيه اتقول :
ام يوسف : بس انا ماشفتك الا ليلة العرس .
ابتسم بويوسف وهو يقول :
بويوسف : انا اقصد ها اليوم بالتحديد .. وما اخفي عليج سر .. انا كنت خايف وايد قبل ها الليله ..
ام يوسف : ليش ؟!
سكت بويوسف وبعدها قال بصوت هادي :
بو يوسف : الصراحه كنت خايف ما تطلعين حلوه ...
و بنظره من طرف عينها قالت ام يوسف:
ام يوسف : وشو شفت ..
رد عليها بويوسف بصوت رقيق وهو يقول :
بو يوسف : صادف يوم عرسنا ليلة الـ 14 من الشهر .. وبها الليله ما شاف الناس البدر في السماء.. مثل ما كانوا متعودين ، ويوم سألوا عن السبب .. عرفوا انه نزل من سماه وقعد معاي على الارض ..
احمر ويه ام يوسف من الخجل ، على الرغم سنها ، حتى انها نست مؤقتا موضوع ولدها يوسف وقالت :
ام يوسف : بو يوسف .. بس عاد .. ما اتحمل ها الكلام الحلو ..
ضحك بو يوسف وهو يقول :
بويوسف : المهم الحين .. خلج من ها السالفه .. وخبريني عن ولدج .. منو ها البنيه اللي اختارها قلبه .. وانا اطلبها اليوم قبل باجر ..
اتغير ويه ام يوسف ورجع الخوف والقلق لملامحها وقالت :
ام يوسف : آآآ . هييه ... يعني .. ما ادري شو اقولج ..
استغرب بويوسف من ترددها وعشان جذيه قال :
ابويوسف : ما تدرين شو اتقولين؟! بلاج يا ام يوسف ما قادره اتقولين اسم البنيه .. يمكن خايفه اهل البنت يرفضون ..
ام يوسف : لا .. بس .
قاطعها بويوسف وهو يقول :
بو يوسف : بس شوه .. عائلات الجزيره كلها يتمنون ايناسبون شيبان .. ولايمكن لاي بنيه مهما كانت انها تتجرء وترفض يوسف ولد شيبان ..
زادت ربكة ام يوسف وهيه اتقول .
ام يوسف : انا ما قلت جذيه .. بس
ابو يوسف : شو فيج اتبسبسين .. قولي منو هيه وريحي راسج ..
ترردت ام يوسف قبل لا تقول بصوت هادي ومرتجف :
ام يوسف : اسم البنيه ... غايه ..
بويوسف : غايه ؟! أي غايه ؟ بنت منو هاي ..
وبصوت واطي وايد وبالكاد يسمعه بويوسف قالت :
ام يوسف : غايه بنت عبيد السماج ..
اتغيرت ملامح بويوسف فجأه وظل يطالع ام يوسف بنظرات حاده ومخيفه ، وهوه ما مصدق اللي سمعته اذنه ، ومع هذا قال الها بصوت هادي :
ابويوسف : ما سمعت زين.. مب شانج قلتي بنت عبيد السماج ولا انا غلطان ..
ردت ام يوسف وعينها على الارض :
ام يوسف : لا مب غلطان .. هيه فعلا بنت عبيد السماج ..
سكت ابو يوسف فتره قصيره وهوه يطالع ويه ام يوسف .. لكنه فجأه وقف في مكانه ، وصاح بصوت عالي اهتز البيت كله لقوته وقال بمنتهى العصبيه والغضب ..
ابو يوسف : انتي شو اتقولين يا حرمه ..
ارتجفت ام يوسف من شدة غضبه ، وقالت بصوت متقطع :
ام يوسف : بويوسف هدي اعصابك شوي ..
صرخ بويوسف في ويها مره ثانيه وقال :
بو يوسف : أي اعصاب اللي تبيني اهديها ، وانا اسمع ها التخاريف اللي اتقولينها ، معقوله ولد الحسب والنسب والجاه .. ولد شيبان اكبر تجار واشراف الجزيره ياخذ بنت السماج .... هذا الاخبال بعينه وعلمه.
وبارتباك شديد ردت ام يوسف :
ام يوسف : يا شيبان اهدأ شوي خلنا نتفاهم ..
ابو يوسف : أي تفاهم ... وها الموضوع فيه تفاهم .. وبعدين تعالي انتي... كيف اتوافقين على ها الشي ..
انتفضت ام يوسف وكانت اتحاول تتهرب من اجابة هالسؤال او اتخفف من ثورة الغضب فيه وقالت :
ام يوسف : انا نصحته وقلته ، لكنه ما سمع الكلام واصر على ها الشي ..
بو يوسف : اصر على ها الشي !.. قومي فزي ناديلي اياه الحينه ..
قالت ام يوسف وهيه مذعوره :
ام يوسف : كيف بتكلمه وانته بها العصبيه كلها ..
وبصرخه عنيفه قال شيبان الها :
بو يوسف : مب شغلج .. سوي اللي قلتلج اياه بسرعه ..
ومن شدة خوفها قامت ونادت على يوسف ... وطلع يوسف من غرفته .. وهو يتحرك بخطوات ثقيله .. ولما وصل عند ابوه قال بويوسف بصوت عالي :
بويوسف : صدق اللي قالته امك ..
ارتبك يوسف وما عرف شو يقول .. لكنه في النهاية قال :
يوسف : بخصوص شو .
شيبان : انك تبى تاخذ بنت السماج ..
سكت يوسف ، وقال بصوت هادي بالكاد يسمعه هو نفسه :
يوسف : هيه .
صرخ بويوسف بويهه وقال :
بويوسف : انته شو ا تخبلت ، والا انضربت في مخك ، ولد شيبان ياخذ بنت السماج ... انته اكيد مو في وعيك ..
رد عليه يوسف بثبات وقال :
يوسف : انا في كامل وعيي .. ومتمسك فيها لابعد حد .. قلبي يباها وما اقدر اصبر عنها ..
وبعصبه عنيفه قال بويوسف :
بويوسف : وبعد مصر عليها ..... يا يوسف .. هذيل ناس فقارى .. فقارى ما لاقين لقمه ياكلونها .. وانته ولد شيبان .. عارف شو يعني ولد شيبان ..
رد عليه يوسف بحزم عجيب ما توقفه شيبان نفسه :
يوسف : هيه عارف .. عارف شو يعني ولد شيبان .. ولد شيبان انسان مثلهم .. حاله من حالهم .. انخلق مثل ما انخلقوا .. وعاش مثل ما عاشوا ... وما يعيبهم ابدا انهم فقارى دام انهم ياكلون لقمتهم بالحلال ، ويغذون روحهم بالشرف والكرامه ، وبعدين الفقر مب عار عشان انعايرهم فيه ..
رد عليه بويوسف بصوت خشن :
بويوسف : اكيد عار ... الفقر عار عار عار ..
ابتسم يوسف على الرغم من شدة الموقف وقال :
يوسف : اذا كان الفقر العار .. فالعار صايبنا كلنا وما في انسان معصوم منه .. ولا تنسى كلام الله في محكم كتابه (( يا ايها الناس انتم الفقراء الى الله ، والله هو الغني الحميد )) ...
رد عليه شيبان بصوت عالي :
شيبان : بس الناس طبقات ، والسماء عمرها ما التقت بالارض .
سكت يوسف يوم شاف ماشي فايده من النقاش ، لكن ابوه اصر ايعرف رده النهائي فقاله :
شيبان : من ها اللحظه تنساها نهائيا .. فهمت .
وبحزم شديد قال يوسف :
يوسف : انا عمري ماعصيت لك أمر .. لكن الحينه ما اقدر .
شيبان : شو يعني .. بتعصي أمري يا ولد ..
يوسف : ما كان ودي والله .. بس أنا وعدت غايه انا اكون الها.. وما اكون لغيرها... طول عمري .. ومهما طال الزمن..
شيبان : يعني هذا كلامك النهائي ..
قال يوسف بثقه :
يوسف : هيه ...
سكت شيبان وهو يطالع ولده بعيون حاره .. وفجــأه ... انفجر بركان الغضب عند شيبان .. واتحرك صوب يوسف.. وبسرعه كبيره مسك يوسف من ايده ودفعه بقوه صوب الجدار .. ومن شدة الدزه أوالدفعه.. انضرب راس يوسف بالجدار وبقوه .. وطاح على الارض والدم يسيل من راسه ...
وطول ها الوقت كانت ام يوسف اتراقب الموقف وهي ساكته .. لكن اول ما شافت ولدها طايح على الارض والدم سايح من راسه ركضت صوبه ودموعها في عينها ومسكت راس ولدها ومسحت الدم وهيه اتقول :
ام يوسف : حرام عليك يا شيبان ، ذبحت الولد .. حرام عليك .. هذا ولدك ..
وبالرغم من كلامها ودموعها ، ما سوالها شيبان ادنى اعتبار ، وعلى طول اتجرب منهم ومسك ام يوسف من ايدها ودفعها بعيد عن ولدها
وهو يقول :
شيبان : خوزي عنه..... مالج شغل فيه ..
والتفت مره ثانيه ليوسف ومسكه من ثيابه ورفعه فوق وهو يقول ..
يوسف : ينكسر راسك ، وتنفرم عظامك قبل لا تفضحني وتتزوج بنت السماج ..
ورغم الالم اللي انتشر في جسم يوسف قال :
يوسف : ما بتخلى عن غايه حتى لو قطعتني .
اتفاجأ شيبان بجوابه لكنه قال بعصبيه :
شيبان : ما بتحصل ريال واحد مني ..
ولاول مره رفع يوسف صوته وقال :
يوسف : الله الغني عنك وعن بيزاتك ...
فتح شيبان عينه وازداد انفعاله وقال :
شيبان : وصلت فيك المواصيل ترفع صوتك بويهي..
نزل يوسف راسه للارض وقال :
يوسف : انا عمري ما سويتها.. بس انته اللي اجبرتني على ها الشي .
قال شيبان بمنتهى العصبيه :
شيبان : اطلع برع بيتي ، وما ابغي اشوفك هنيه مره ثانيه ، لا انته ولدي ولا اعرفك ، اطلع برع ... برع.
صاحت ام يوسف وهيه اتقول :
ام يوسف : انته شو اتقول يا شيبان .
التفت الها شيبان وقال :
شيبان : جب انتي .. ما بيدش البيت ليما يتأدب .. ويخوز ها الخبال عن براسه ..
والتفت مره ثانيه ليوسف وهو يقول :
شيبان : شو تتريا .. يا الله برع .. ما ابغي اشوفك هنيه ... .. برع .. برع .
وبعيون دامعه ، وبراس دامي .. طلع يوسف من البيت ، وفي اتجاه مكان مجهول ........ ودموع ام يوسف اتسيل على خدها خوفا على مصير ولدها ....
***********
(( غلط اللي سويته غلط ))
بها الكلمات نطق ابراهيم اللي يصير اخو شيبان الاكبر ، وعشان جذيه قال شيبان :
شيبان : غلط ؟! اتسمي اللي سويته غلط .. يعني شو تباني اسوي ، تباني آخذه في الاحضان واقول مبروك على حسن اختيارك ..
ابراهيم : انا ما قلت جذيه .. بس ها الامور لازم ناخذها بالحكمه والتفكير . مب بالضرب والتجريح . انا لما شفت يوسف امس والدم ايسيل من راسه ما صدقت.. اتحريت واحد من الفريح ضاربنه .. ما اتوقعت ابدا اتكون انته امسونها ..
شيبان : شو اسوي .. ها الولد طلعني من طوري...وخلاني اضربه غصب ...
وبلهجه صارمه قال ابراهيم :
ابراهيم : وهذا اساس الغلط ، انك فقدت اعصابك ، واتصرفت بعصبيه..
شيبان : يا ابرهيم .. ها الولد يبى يفضحنا ويتزوج بنت السماج .. يرضيك ها الشي ..
قال ابراهيم بهدوء :
ابراهيم : لا طبعا ... ما يرضيني ... وعشان جذيه لازم اندور حل مناسب ..
شيبان : الحل انه ما يدخل البيت ولا يحصل ريال واحد .. ليما يعقل وينسى نهائيا .. شي اسمه غايه ..
ابراهيم : يا شيبان .. شباب اليوم ما تقدر تحكمهم بالقوه .. كل ما قسيت عليهم زاد عنادهم ...... وبعدين قولي ياشيبان .. انته ما فكرت بكلام الناس ..
فتح شيبان عينه وهو مدهوش :
شيبان : كلام الناس ؟! ما فهمت .. شو قصدك ..
ابراهيم : شو بيقول الناس يوم يسمعون انك طارد ولدك ! .. او ما قاعد تصرف عليه .؟! ... طبعا بيقولون شيبان ما عرف ايربي ولده وعشان جذيه طلع عن شوره ... وبيقولون... ولد التاجر العود ما عنده ريال في جيبه ....
سكت شيبان فتره وهو يفكر وبعدها قال :
شيبان : صدقك والله .. انا كيف ما فكرت بها الشي ..
وبابتسامه خبيثه قال ابراهيم :
ابراهيم : هذا لانك حكمت قلبك وما فكرت بعقلك ..
شيبان : والحين شو الحل ...
صمت ابراهيم لحظات وهوه يفكر وبعدها قال :
ابراهيم : لا تخاف ، مدام اخوك ابراهيم موجود كل شي بينحل ..
بانت معالم الفرح على ويه شيبان وهو يقول :
شيبان : طول عمرك صاحب افكار عجيبه ..
ضحك ابراهيم وهو يقول :
ابراهيم : اللي ايفكر بعقله .. دايما يكسب ..
قال شيبان واللهفه واضحه عليه ..
شيبان : انزين قولي شو الحل .
ابراهيم : شوف .. اهم شي تبتعد ها لبنت نهائيا عن يوسف ، سواء عن عينه.... او حتى بوجودها في الفريج كله ..
سكت شيبان فتره وهو يفكر وقال :
شيبان : هاه .. ما فهمت .... يعني قصدك ما تطلع من بيتها نهائيا ..
قال ابراهيم بصوت اعلى شويه :
ابراهيم : لا هذا مب حل .. لانه بيحس بوجودها في بيتها ، حتى لو ما شافتها عينه .. ها البنت لا زم تختفي نهائيا عن الفريج ..
استغرب شيبان من كلام ابراهيم وقال :
شيبان : يعني كيف تختفي نهائيا عن الفريج ... نذبحها مثلا ..
قالت ابراهيم بانفعال :
ابراهيم : انا ما قصدت جذيه طبعا ..
شيبان : عيل شو تقصد ...
قال ابراهيم بصوت خافت :
ابراهيم : النفي ...
وباستغراب قال شيبان :
شيبان : النفي ؟! ... شو يعني النفي ..
ابراهيم : يعني نطردها هيه وابوها من الفريج كله ...
سكت شيبان فتره ، وهوه ايفكر بها الحل ثم ما لبث ان قال :
شيبان : انته شو اتقول يا ابراهيم ، انته عارف ان جزيرتنا طنب صغيره ، طولها ( 12 كيلو ) وعرضها ( 7 كيلو ) .. يعني حتى لو طردناهم من الفريج ، ممكن ايحلصها يوسف بعد اسبوع على الاكثر ..
ابتسم ابراهيم وهو يقول :
ابراهيم : انا ما قصدت نطردهم من الفريج وبس .... انا اقصد نطردهم من الجزيره كلها .. ولمكان بعيد محد ايعرفه ابدا ...
اندهش شيبان من كلامه وهو يقول :
شيبان : برع الجزيره ... يعني وين مثلا ..
ابراهيم : البر الثاني .. ساحل عمان .. دور على أي اماراه من امارات الساحل وطرشهم هناك ..
شيبان : وعبيد السماج بيرضى ..
ابراهيم : عاد ها الشي انته وشطارتك ، استخدم و ياك كل اساليبك ... سواء بالشده أو اللين ..
مرت لحظات صمت مره ثانيه وشيبان قاعد ايفكر ، لكنه ضحك في النهايه وقال :
شيبان : يا سلام عليك يا ابراهيم .. الله لا يحرمنا من افكارك .. طول عمرك راعيها ..
ضحك ابراهيم وقال :
ابراهيم : عشان اتعرف بس قيمة اخوك ..
شيبان : انا عارف ها الشي من زمان ..
واستمرت ضحكتهم ، وبعدها قال ابراهيم ..
ابراهيم : ومتى بتسير حق عبيد السماج .. عشان اتبلغه قرار نفيه ..
قام شيبان من مكانه وقال :
شيبان : الحين مره سايرله ، ما اقدر اصبر دقيقه وحده .. يا الله فمان الله ..
ابراهيم : فمان الله ..
******
اتجه شيبان مباشره صوب بيت عبيد السماج واول ما وصل البيت ، دق باب البيت بكل قوته .. وبعد ثواني سمع صوت من داخل البيت يقوله : منو على الباب ؟!
قال شيبان بصوت عالي :
شيبان : انا عمك بويوسف يا السماج ..
فتح عبيد الباب وهو يقول بلهفه :
شبيان : عمي بويوسف عدنا يا هلا ومرحبا فيك .. شرفتني بزيارتك ... اتفضل ..
رد عليه شيبان بعصبيه :
شيبان : لا اهلا ولا سهلا ...
استغرب عبيد من كلامه وقال :
عبيد : ليش يا عمــــي ..
شيبان : أسأل بنتك قبل ...
عبيد : بنتي ؟! شو فيها بنتي ؟!
قال شيبان بعصبيه :
شيبان : بسألك يا السماج .. عمر الارض التقت مع السماء ..
استغرب السماج من سؤاله لكنه قال ..
عبيد : طبعا لا ..
شبيان : عيل ليش رافع راسك فوق .. وتبى توصل لاسيادك
.
عبيد : عمي انا ما فاهم شي ابدا ..
شيبان : شوف يا عبيد .. بنتك لاعبه بعقل ولدي ، والحين متخبل يباها ..
عبيد : ولدك يبى بنتي .. يا عمي احنا وين .. وانتوا وين .. احنى ناس فقارى .. وبالزور انحصل لقمتنا ..
شيبان : زين يوم عرفت قدر نفسك ... انته ولا شي ... لازم تبتعد انته و بنتك عن ولدي نهائيا .. فهمت ..
ارتبك عبيد وما عرف شو ايرد وفي النهاية قال :
عبيد : خلاص عمي ،... أوعدك اني ما اخلي بنتي اتعب عتبة الباب ، بحبسها في دارها ، حتى الشمس ما بتشوفها ..
صرخ فيه شيبان وهو يقول :
شيبان : هذا ما يكفي ..
فتح عبيد عيونه وهو يقول :
عبيد : عيل شو تباني أسوي .
قال شيبان بلهجة آمره :
شبيان : تطلع برع الفريج .. وما اشوفك نهائيا هنيه ..
انتفض عبيد من شدة المفاجأة وقال :
عبيد : اطلع برع الفريج؟! .... وين اسير يا عمي ؟!
شبيان : تطلع واتسير بعيد ... بعيد وايد ... برع الجزيره كلها ... اتهاجر للبر الثاني .. بأي اماره من امارات الساحل ..
صمت عبيد فتره و المفاجأة شاله السانه لكنه قال :
عبيد : اسمحلي يا عمي هذي ارضي ، انولدت فيها .. وعشت فيها .. وبموت فيها .. وما اقدر اطلع منها حتى لو مت من اليوع ...
وبها اللحظة امتدت ايد شيبان ومسكت في ثياب عبيد وهو يقول :
شيبان : بتطلع غصبن عنك ...
كان عبيد مرتبك وجسمه ينتفض ومع هذا قال :
عبيد : حتى لو ذبحتني او قطعتني ما بطلع من الجزيره ..
اشتدت قبضة شيبان على ثياب عبيد وهو يقول :
شيبان : انا بسوي فيك اكثر من الذبح والصلخ ..
عبيد : شو بتسوي يعني ؟!
ابتسم شيبان ابتسامه خبيثه وقال :
شيبان : انته عارف يا عبيدوه اني ريال معروف ، والكل يسمع كلامي ويصدقني .. ومن باجر بقول لاهل الفريج ان بنتك اتركض وراء ولدي .. وانها مسوتله عمل عشان يتعلق فيها ويفكر فيها وياخذها..وساعتها بتكون فضيحتك كبر البحر اللي حوالينا او حتى اكبر .
انتفض عبيد في مكانه يوم سمع ها الكلام وقال :
شيبان : لاياعمي .. ابوس ايدك لا اتسويها .. احنا راس مالنا سمعتنا وشرفنا... واذا ضاعت .. ضاعت حياتنا كلها ..
قال شيبان بهلجة خبيثه :
شيبان : عيل اتنفذ اللي اقول اياه ، وتطلع برع الجزيره ..
نزل عبيد عيونه للارض ، وكان واضح عليه الحزن والتأثر وقال :
عبيد : على أمرك يا عمي . بس ..
شيبان : بس شوه بعد .
عبيد : انا انسان فقير وما املك في ها الدنيا غير بيتي ، واذا طلعت من بيتي وين بحصل مكان اعيش فيه انا وبنتي في الارض اليديده .
شيبان : ما عليك .. انا مرتب كل شي .. انته بتسير دبي ..
عبيد : دبي ؟!
شيبان : هيه دبي .. وقبل لا تسير.. بعطيك ورقة بيت.. وهالبيت انا اشتريته قبل سنه هناك في دبي ، وبتحصل البيت مسجل باسمك ، والبيت هذا موجود على البحر ، وبتحصل مركب صغير بعد... تقدر تطلع فيه البحر ..
قال عبيد بصوت خافت :
عبيد : اللي اتشوفه ..
ومره ثانيه قال شيبان بلهجة آمرة :
شيبان : بس قبل هذا... عطني ورقة بيتك ، واتنازلي عن البيت .
قال عبيد بدهشه :
عبيد : ليش ..
قال شيبان بخبث :
شيبان : عشان اضمن انك ماترجع هنيه مره ثانيه ...
قال عبيد بغصه :
عبيد : انشا الله .
شيبان : باجر الفجر .. بتحصلون مركب يترياكم .. بتركبونه وبيوديكم دبي .
عبيد : باجر مره ؟
شيبان : هيه باجر .. بس ما بي حد ايعرف انكم سايرين ها المكان ، ولا حتى الجني الازرق .. ومع هذا خبر جارك انكم طالعين من الجزيره بس بدون ما يعرف وجهتكم .
قال عبيد بمراره :
عبيد : الله اتريده بيصير .
ابتسم شيبان وقال :
شيبان : عشان مره ثانيه ما ترفع خشمك واتحط راسك براس اعمامك .
سكت عبيد وما علق على كلام شيبان الاخير ، وشيبان بدوره طلع من البيت بعد ما صفق الباب بكل قوه وراه... واول ما ابتعد عن البيت قال عبيد : الله اكبر على من ظلم وتجبر .. الله اكبر على من ظلم وتجبر ..
والتفت عبيد وراه وشاف بنته غايه والدموع تنهمر من عينها مثل المطر .. وكانت واضح عليها احساس القهر والمراره والعذاب وبدون حد .... وكيف ما تحس وحلم حياتها اتحطم واتكسر بعد ما كان على وشك انه يتحقق .. كيف ما تحس وهيه خسرت اغلى انسان على قلبها .. يوسف ... والادهي من جذيه انها بتخسر حتى ارضها اللي عاشت فيها احلى ايام صباها وحياتها .... مراره مابعدها مراره .. وما قطع ها الصمت الرهيب الا صوت عبيد وهوه يقول :
عبيد : غايه .. انا طول عمري افتخر واعتز فيج .. وانا مربنج احسن تربيه .. تقدرين اتفسريلي شو اللي صار بينج وبين يوسف .
قالت غايه والدموع ما تتوقف من عينها :
غايه : صدقني يا بويه .. انا عمري ما جذبت عليك .. يوسف هو اللي يلاحقني وقال لي انه يباني ..
قال عبيد بحزن :
عبيد : وانا واثق من كلامج ... لكن حب يوسف لج .. خسرنا كل شي حتى ارضنا ...
وبلحظة خاطفه انفجرت غايه بالصراخ ، وكأنها ما تحملت قسوة ها الموقف الفظيع وقالت::
غايه : حرام عليهم ... حرام عليهم .. احنا شو سوينا فيهم .. حتى الفرحه مستكثرينها فينا .. ما كفاهم كل اللي عندهم .. عشان يسلبونا كل شيء ..حتى ارضنا ..
رفع عبيد ايده وحطاها على كتف غايه وهو يقول :
عبيد :الله كريم .. الله ما ينسى عباده يا غايه ..
قالت غايه وبدون وعي ولا ادراك للكلام اللي اتقوله :
غايه : يا بويه احنا ما سوينا شي بحياتنا ، طول عمرنا نعبد الله باخلاص وامانه ، ليش يستوي فينا جذيه ، ليش انعيش بفقر ومهانه ، ليش الناس الطيبين يعيشون بفقر ومذله ،.. وها الظالمين عايشين بخير وعز ونعمه ..
قاطعها عبيد بسرعه وهو يقول :
عبيد : استغفري ربج يا غايه .. كل اللي يصير لحكمة من رب العالمين ، واحنا ما ندري الخير من وين ايينا ،.. ويمكن ايكون الفقر والشدة نعمه من الله ،.. ويمكن لو الله انعم علينا بخيرات كثيره نبطر ونسرف... وساعتها بتكون خسارتها اكبر .. ولا تنسين قول الله تعالى (( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير ) ) صدق الله العظيم ..
قالت غايه بصوت خافت :
غايه : صدق الله العظيم ..
عبيد : ومع هذا ندعوا الله انه يكتبلنا الخير في الارض اليديده اللي اختارلنا اياها ..
غايه : آمين .
قام عبيد من مكانه ... وظل يطالع البيت كله بنظرات حزينه وهوه قاعد ايودعه ، ويودع احلى سنين عمره في ارجاء ها البيت ، وشاركته غايه ها الاحساس وهيه تتذكر كل ركن من اركان ها البيت القديم ......
وعند الفجر .. كان المركب متحرك وهوه حامل معاه غايه وابوها وهم متجهين صوب الارض اليديده .. امارة دبي ..
******
في اليوم الثاني كان يوسف وكالعاده ، واقف وراء التل بالقرب من الساحل ، وهوه يتريا غايه .. وطال انتظاره .. ساعات كثيره وهو ينتظرها .. لكن .. بدون فايده . ولما اتأخر الوقت .. رجع بيته ..
وفي اليوم الثاني رجع مره ثانيه لنفس المكان .. وظل ينتظر .. وينتظر ..لكن دون نتيجه ... وفي اليوم الثالث قرر في نفسه انه يسير بيتها ... وليش ما يسير ..
بيسير بيتها وبيطلبها من ابوها ..
وبيتزوجها ..
صحيح انه ما يملك شي ..
لكنه بيربح اغلى دانه في الدنيا ... غايه
بيعيش معاها في بيتها الجديم..
وبياكل من اكلها ..
وبيطلع البحر مع ابوها ...
ومهما كانت حياتهم صعبه.. ما بتكون اصعب من فراقها ..
وفعلا اتحرك مباشره صوب بيتهم.. وكان متلثم عشان محد ايعرفه .. ووقف عند الباب .. وظل ايدق الباب ويدق ويدق .. وما مل من الدق ... ومن كثرة مادق على الباب طلع الجار وقال لهه :
الجار : شو فيك ادق الباب من ساعه .
يوسف : لوسمحت ياعمي وين احصل عبيد السماج .
الجار : عبيد السماج طلع من الفريج كله .
فتح يوسف عينه من الدهشه وقال :
يوسف : طلع .. وين سار ..
الجار : طلع من الجزيره كلها .. ولجهه غير معروفه .. ومن يومين تقريبا ..
شعر يوسف بمراره وحراره تلتهب بصدره وقال :
يوسف : وما تدري ليش طلعوا ..
تردد الجار قبل لا يقول :
الجار : الصراحه .. في الليله اللي طلعوا فيها شفت التاجر المعروف شيبان يدخل بيتهم .. وسمعته يصارخ بويه عبيد .
انتفض جسم يوسف يوم سمع اسم ابوه لكنه قال :
يوسف : مشكور عمي ، فمان الله .
الجار : الله معاك ..
ومشى يوسف وهموم الدنيا تعصف فيه .. ومن شدة حزنه ما عرف وين ايسير ... خسر كل شي .. خسر غايه ...
والسبب ابوه ...
ليته كان انسان عادي ..
ليته ما كان غني ..
ليته كان انسان فقير وافقر حتى من غايه ...
ليته وليته وليته .....
وما وعى الا وهوه على باب بيتهم .. واول ما دخل ...شاف ابوه وامه قاعدين مع بعض ..
ظل يوسف فتره طويله وهوه يطالع ابوه بنظرات حزن وعتاب ، والابو ايطالعه بدهشه ، .. وبعدها... سالت الدموع من عين يوسف وهويقول كلام موجه لابوه :
يوسف : حرام عليك .. انا ولدك .. انته ما فيك قلب .. كسرت قلبي وحطمت حياتي ..
قال شيبان بصوت عالي :
يوسف : انا سويت ها الشي عشان مصلحتك .
رد عليه يوسف بانفعال :
يوسف : مصلحتي؟! مصلحتي انك تحرمني من الانسانه اللي احبها .
قال شيبان بلهجه صارمه :
شيبان : يوم بتكبر بتعرف اني على حق ..
ابتسم يوسف على الرغم من حزنه وقال :
يوسف : يوم اكبر ؟! خلاص يا بويه .. انا شيبت وشاب قلبي لحظة ما انحرمت من غايه ...
قال شيبان باستهزاء واضح :
شيبان : هذا كلام بس ، يومين وبتنساها ، وعقبها.. بتدعيلي ..
ارتفع صوت يوسف فجأه وهوه يقول :
يوسف : مثل ما حرمتني منها ... تحرم علي كل بنات الدنيا ...
ومثل ما وعدت غايه ما بكون لغيرها.. مهما طال الزمن او قصر ..
وبعد هالكلمه دخل يوسف غرفته وسكرها بعنف ... وساعتها قالت ام يوسف لشيبان ..
ام يوسف : زين لك جذيه كسرت قلب الولد ..
قال شيبان وبدون مبالاه :
شيبان : ما عليج منه بيصيح يومين وبعدين بينسي ..
سكتت ام يوسف فتره وظلت تطالع شيبان بنظرات غريبه وهيه اتقول :
ام يوسف : ما اعتقد ...
شيبان : شو قصدج ...
ام يوسف : ياليته يرجع مثل ما كان ...
وبعدها سكتت ام يوسف وما قالت أي شي...
وفعلا .. ما قدر يوسف ابدا ينساها .. انه ينسى غايه ... وفي كل يوم كان يوسف يقعد وارء التل الصغير عند ساحل البحر ، وهو يتخيل وجود غايه هناك ... ويترياها ..
كان دايما يتخيلها واقفه على البحر... وهيه اتغسل الثياب ..
كان دايما ايشوف صورتها مرسومه على ماي البحر .. وعلى امواجه.
ومرت الايام والشهور ويوسف على ها الحاله ... كل يوم ...
ينتظرها على سيف البحر ......
*********
بعد اكثر من سنه من رحيل غايه عن الجزيره .. وفي الثلاثين من شهر نوفمبر لعام الف وتسعمائه وواحد وسبعين (( 30 / 11 / 1971 )) دخلت القوات الغازيه لارض جزيرة طنب الكبرى وشقيقتها طنب الصغرى ...
ومرت على الجزيره احداث عظيمه .. اتغيرت هوية الجزيره بالكامل .. جزء من الناس هاجروا لاراضي الامارات السبع .. وجزء منهم اتهجروا بالغصب .. وجزء منهم اصروا على البقاء في الجزيره لكنهم اجبروا على اخذ جنسية الدوله المحتله ... وكان يوسف من ضمن اللي اصروا على البقاء... وبالتالي اجبروه على أخذ جنسية الدوله المحتله. ..
ومرت لحظات عصيبه على الجزيره .. ( شيبان ) خسر كل ثروته وامواله بعد ما استولت القوات المعتديه على كل خيرات الجزيره وعلى اراضيها وعقاراتها .. وانتزع الله منه كل الخير اللي رزقه اياه .. وانتزع منه حتى حياته .. لانه عاش الايام الاخيره من حياته ذليل ومهان .. وما تحمل ها الوضع ومات من شدة الحسره والالم والذل .... ولحقته زوجته بعد ايام قليله من وفاته ..
وبالنسبه ليوسف... فعاش ايام طويله من الشده والكرب ..
خسر كل شي .. خسر ابوه وامه وامواله وارضه وحتى هويته .. وقبل هذا كان خسر حبه غايه .. مصايب عظيمه انصبت على يوسف في حياته .. ومع هذا ظل ايكافح ويكافح ...ليما قدر يكون نفسه من جديد ويعيش حياه كريمه .. لكن.. ومع كل اللي جراله....
لا يزال يوسف يوقف وبشكل يومي وراء التل الصغير عند الساحل القديم ، وهو يتذكر غايه وينتظرها ...
ومرت الايام والشهور السنين ...
ومضت حوالي خمس وعشرين سنه عن آخر لقاء جمع يوسف بغايه ..ومع هذا ظل يوسف ينتظرها عند الساحل القديم .. وظل طوال ها السنين عا****** ...وما كان لغير غايه...مثل ما وعد غايه ...
*****
وفي عام الف وتسعمائه وخمس وتسعين ( 1995 )، أي بعد خمس وعشرين سنه ، كان يوسف قاعد في محل الثياب اللي يمكله مشاركة مع رفيجه حسن ، وكان يوسف ساكت طول الوقت وما قطع ها الصمت الا صوت حسن وهوه يقول :
حسن : وبعدين وياك يا يوسف .. لين متى بتم جذيه.. انته الحين كبرت يا يوسف وعديت الاربعين وبعدك ما معرس .. اللي في سنك عيالهم كبار ومعرسين بعد ...
التفت يوسف لحسن وشافه بنظرات حزينه وقال :
يوسف : ما اقدر يا يوسف .. ما اتصور اقعد مع أي حرمه غير غايه .
قال حسن بعصبيه :
حسن : يا يوسف .. غايه اطلعت من الجزيره من سنين طويله .. وانته ماتدري وين اراضيها .. وبعد كل هالسنين كل شي اتغير .. اتلاقيها الحين عرست وعيالها كبار بعد ..و
قال يوسف وكأنه ماسمعه :
يوسف : أخ لو اعرف وين ارضها ، خاطري اشوفها ولو مره أخيره بحياتي .. لكن ... للاسف .. مات ابوي ومات السر معاه .. الله ايسامحك يا ابوي حرمتي من اغلي شي بحياتي ... غايه ..
حسن : يا يوسف ، غايه اكيد الحين نستك بعد هاالسنين الطويله .. او حتى ظانتنك ميت ... خصوصا بعد احداث عام واحد وسبعين ..
قال يوسف بصوت خافت :
يوسف : حتى لو ظنتني ميت .. حبها لازال حي في قلبي ، وبيظل حي طول ما هوه ينبض ...
حرك حسن راسه وهوه يقول :
حسن : انته ما منك فايده .. النصيحه ما اتأثر فيك ...
يوسف : الله كريم ..
حسن : وعشان جذيه خلنا نتكلم في الشغل احسن ..
يوسف : قول اللي عندك ..
اعتدل حسن على كرسيه وقال :
حسن : اسمع يا يوسف .. انته اتعرف انه عدنا محلات ثياب كثيره هنيه في الجزيره ..
يوسف : هيه اعرف ..
حسن : واتعرف ان المحلات على كثرتها ما اطلع النا ارباح ومردود زين ..والسبب معروف .. قلت الناس على الجزيره وضعف امكانياتهم المادية..
قال يوسف بهدوء :
يوسف : الحمدالله على كل حال ..
حسن : الحمدالله ... بس الواحد لازم ايحاول على قد ما يقدر ايطور من تجارته ..
قال يوسف بدهشه :
يوسف : وشو تبانا انسوي ..
رد عليه حسن بثقه :
حسن : انا سويت فعلا ...
استغرب يوسف من كلامه :
يوسف : شو سويت ؟ !
حسن : فتحنا فرع يديد لمحلنا في دبي ..
يوسف : في دبي ؟!
حسن : هيه في دبي ، انته عارف زين ان دبي تشهد نهضه اقتصاديه كبيره ، والمراكز التجاريه قاعده اتزيد ، ومع زيادتها بيزيد عدد الزوار والمتسوقين ، وانا سمعت انهم بيسون مهرجان للتسوق في السنه اليايه... يعني سنة سته وتسعين .. وهذا معناه زيادة عدد المشترين والمتسوقين ، وبجذيه نقدر انسوق بضاعتنا وانحقق ارباح كبيره ..
سكت يوسف قبل لا يقول :
يوسف : والله فكره معقوله ..
حسن : معقوله ومضمونه .. بس انا بغيت منك شي يا يوسف ..
يوسف : شي مثل شوه ..
حسن : انا ها الايام وايد مشغول .. بسير الهند وتايلاند عشان اييب بضاعه يديده .. ومحلنا في دبي يديد .. محتاج حد ايراجع حساباته .. ويشرف على تنظيمه ...
قال يوسف بدهشه :
يوسف : يعني تباني اسير دبي ..
حسن : اسبوع واحد بس .. ليما يترتب وينتظم الشغل في المحل ..
تردد يوسف لكنه قال :
يوسف : على أمرك .. بسير . رغم اني ما احب اطلع من الجزيره ، وهذي اول مره اغادر فيها ها الارض ..
قال حسن بلهجه هاديه :
حسن : انته يا يوسف ما تبى اتودع المكان اللي كنت اتشوفه فيه غايه.. هناك .. عند ساحل البحر ... صح ..
قال يوسف بحزن :
يوسف : بهاي صدقت .. صعب افارق المكان اللي كانت فيه غايه .. بس ما باليد حيله .. كلها اسبوع وراجع ..
اتغيرت لهجة حسن و قال :
حسن : بس فيه شي لازم اتسويه .
يوسف : شي مثل شوه .
حسن : لازم اطلع تأشيرة زياره ، انتي ناسي انك ماتحمل جنسية الامارات ، وانك تحمل جنسية البلد المحتل بعد سنه واحد وسبعين لانك بقيت في ارض الجزيره ..
قال يوسف في مراره :
يوسف : يا سبحان الله بنزور بلدنا الاصلي الامارات ولازم انطلع تأشيره زياره.. حالنا حال الغرب... واحنا في الاساس من مواطنيها ..
قال حسن بصوت حزين :
حسن : شو انسوي ...هذا الواقع ولازم انعيشه ..
يوسف : انزين .. انا بقوم بخلص كل الاجراءات اليوم ، على أساس أسافر باجر .. يا الله فمان الله ..
حسن : فمان الله ..
***
وفي اليوم الثاني وقبل لايسافر يوسف للامارات وبالتحديد لدبي ، وقف وراء التل الصغير عند ساحل البحر القديم ، عشان يودع غايه ... يودع المكان اللي كانت فيه غايه .....
وشاف صورتها مرسومه على ماي البحر ..
ونزلت دمعه حاره من عين يوسف ..
دمعــه على الماضي البعيد ...
دمعه على أيام كانت غايه فيها هنيه ...
هنيه ..
عند ساحل البحر ....
وماكان يدري انه قاعد ايودع غايه .... وبنفس الوقت... رايح لارض اتعيش فيها غايــــه .. وكان على موعد مع القدر .. لانــــه
ساير دبي .....
ملتقى العالم ...
والمحبين ...
دبي ......
انتهى الجزء الاول ...
الحل الأخير - الجزء الثاني والاخير
بعد رحله قصيره بالمركب..وصل يوسف لدبي... واول ما حطت رجله على ارضها اتوجه مباشرة للفندق ، وارتاح فيه لمدة ساعات طويله ...... وقضى يومه كله في ارجاء الفندق ...
وفي اليوم الثاني .. اتوجه مباشرة للمحل اللي تم افتتاحه حديثا في أحد المراكز التجارية في دبي ..
واول ما دخل المحل التجاري ، سلم على كل عمال المحـل... واحد وراء الثاني ...
ولما انتهى من السلام قال لعامل منهم :
يوسف : هاه علي .. شخبار الشغل في المحل ..
جاوبه علي وبكل بثقه :
علي : الشغل تمام التمام .. والحريم ما ينقطعون ساعه عن المحل ... بس .
سأله يوسف في اهتمام واضح :
يوسف : بس شوه ؟
بصوت خافت قال علي :
علي : امم... بصراحه.. بغيت اقولك .. اني مب راضي عن أسعارنا .. لانها وايد رخيصه .... فياريت نرفعها شوي وو ..
قاطعه يوسف وهو يقول :
يوسف : وليش نرفعها ، دام ان ارباحنا جيده والحمدالله ..
جاوبه علي بهدوء :
علي : صحيح ان ارباحنا زينه والحمدلله ... لكن.. المحلات الثانيه اتحقق ارباح اكثر ، لان اسعارها اعلى .
تساءل يوسف :
يوسف : والمحلات الثانيه ، ليش ترفع اسعارها ...
جاوبه علي :
علي : لان الناس هنيه... عايشين بنعمه وخير كثير .. وبعض الحريم يوم ايشوفون قطعه ثوب حلوه وتعجبهم ، ممكن يدفعون فيها سعر عالي .
قال يوسف باستغراب :
يوسف : بس يا علي ، البضاعه تقريبا متشابهه في السوق كله ، فليش تدفع الحرمه سعر عالي ، وهيه قادره اتحصل على نفس البضاعه بسعر أرخص .
ضحك علي وهوه يقول :
علي : بعض الحريم .. ايحبون يشترون البضاعه الغاليه .. ويقولون الغالي ثمنه فيه .. مع انهم بلفه بسيطه في المحلات بيحصلون الأحسن والأرخص .... وبعض الحريم ايحبون يفتخرون بغلاء مشترياتهم .
ابتسم يوسف وهو يقول :
يوسف : وبعض الحريم مايهمهم بكم يشترون ، من كثرة الفلوس اللي عندهم .
قال علي بانفعال :
علي : عليك نور ... انته اتعرف اطباعهم اكثر مني .. فليش ما نرفع الاسعار و ..
قاطعه يوسف بهلجة صارمه وقال : .
يوسف : يا علي .. احنا ما علينا من تصرفات بعض الحريم وعقلياتهم .. أو اطماع بعض التجار وجشعهم ... اهم شي عدنا ضميرنا ... التاجر الامين هو اللي يراعي الله في بيعه وشراءه... في سره وعلانيته ... والله تعالي ايقول في كتابه (( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل )) .. ورفع الاسعار وتحقيق مكاسب كبيره بدون وجه حق .. هو نوع من أكل اموال الناس بالباطل ...
وبصوت واطي قال علي :
علي: والله ما ادري شو اقولك.... المحل محلكم ... وانتوا ادرى بمصالحكم .
ابتسم يوسف وهو يقول :
يوسف :. المهم يا علي... سير ييبلي دفاتر حسابات المحل ...
قام علي من مكانه ، وفتح خزنة المحل وطلع منها الدفاتر وقال :
علي : اتفضل يا عمي ، هذي دفاتر المحل كلها .. مسجل فيها كل شي .. المصروفات والايرادات وبكل التفاصيل ... وحتى المصـروفات النثريه اليوميه و ..
قاطعه يوسف بسرعه وقال :
يوسف : يا علي .. المصروفات النثرية اتسجلها في خانة المصروفات الكلية ... احنا ما قاعدين في شركه ولا في مكتب محاسبه عشان انسجل كل شي بدقه ..
وبأسف واضح قال علي :
علي : آسف عمي .. مره ثانيه .. بسجلها مثل ما تحب ...
وبعد اشاره من يد يوسف لعلي قال :
يوسف : انته الحين... سير شوف شغلج ، وجابل ************اين .. وانا براجع الحسابات على راحتي .
قال يوسف وهو يتحرك :
علي : انشا الله عمي ..
فتح يوسف الدفاتر ، وصب كل اهتمامه على مراجعة حسابات المحل ...
وأثناء ما كان يوسف مشغول بمراجعة الدفاتر ، دخلت حرمه للمحل ومعاها شغالتها ، ووقفت تتطالع بعض قطع الثياب المعلقه ..
وبسرعه كبيره اتحرك واحد من العمال باتجاه الحرمه .. عشان يعرض عليها خدماته ..... اذا حبت تسأل عن نوع او سعر أي بضاعه ..
ويوسف مازال مشغول بمراجعة الدفاتر ، ولما حس بعيونه اتعوره رفعها فوق عشان ترتاح من مطالعة الدفتر ، واول ما رفعها وقعت عينه على الحرمه اللي واقفه مع العامل ..
في البدايه ما اهتم ، ونزل عينه للدفتر مره ثانيه .. لكنه ما لبث ان رفع عيونه مره ثانيه... بعد رسالــه عاجله جدا من عقله .. وقلبه .. مضمونها أن الانسانه هذي ..... مهمه .... ومهمه للغايـــــــه ..
*********************
********************
كان يوسف ايراقبها بتركيز شديد ... واتشكلت صورتها اكثر واكثر في مخيلتــه ...
وبعد ثواني بسيطه .. اصحبت الصوره بكل تفاصيلها مرسومه في كيانه ...
ها الحرمه بالذات يقدر ايميزها من بين كل نساء البشر ... والسبب بسيط .. لان عينه ما شافت غيرها .. وقلبه ما حس الا فيها ....
وانتفض جسمه بالكامل وهو يطالعها .. وظل يركز عليها وعينه ما تنزل عنها ثواني ... وبدا يسأل نفسه .... معقوله... معقوله بعد هالسنين الطويله ايشوفها ... معقوله بعد ربع قرن ايشوف اغلى انسانه عنده ... غايه ..
ولثواني بسيطه ... وبعد ما خفت آثار الدهشه عنده ... ظل يوسف ايقارن بين شكلها في الماضي البعيد وشكلها الحين في الحاضر ...
في الماضي وقبل ربع قرن.. كانت تلبس ثوب وايد وايد بسيط وقديم ...
واليوم تلبس ثوب أنيق وجديد ومن اغلى وارقى الانواع ...
في الماضي .. كان الوجه صافي .. وما يعكر صفائه الا ذرات دقيقه من الغبار أو قطرات صغيره من ماي البحر ...
واليوم .. الوجه مغطى بطبقات عريضه من المكياج ومساحيق التجميل ..
واقترب يوسف اكثر واكثر من مكان وقوفها .. وسمعها تتكلم وبصوت عالي .. على عكس ما كانت في الماضي .. لانها في الماضي... كانت هاديه وصوتها ما يعلى ولا ينسمع الها حس... والحينه قاعد يسمع صوتها العالي وهيه اتكلم العامل واتقول :
غايه : اف .. شوف هذا .. كل ما أدش محل.. احصل نفس البضاعه القديمه ..
رد عليها العامل بصوت واطي :
العامل : يا مدام البضاعه هذي جديده ، ما صارلها يومين واصله ..
ردت عليه غايه بعصبيه :
غايه : أي يديده يا عمي ، نفس ها القطعه مشترتنها قبل شهرين في بوظبي .
ما عرف العامل شو ايقولها ، وعشان جذيه ادخل علي لانه اكثره خبره ودراية في التعامل مع ها النوعيه من الحريم وقال :
علي : نعم يا مدام آمري علينا ...
ردت عليه غايه من طرف السانها وقالت :
غايه : ابي قطع حلوه ..
قال علي باستغراب :
علي : القطع جدامج كلها جديده يا مدام .
قالت غايه بعصبيه :
غايه : اف.... انا ما صدقت افتكيت من غباء هذاك .. وتطلعي انته ..
قال علي بمنتهى الهدوء والادب :
علي : يا مدام البضاعه اللي عدنا من أحسن الانواع.. وبنفس الوقت سعرها مناسب .
ضحكت غايه بصوت عالي وهيه اتقول :
غايه : سعرها مناسب ؟
استغرب علي من ضحكتها وقال :
علي : هيه والله .... سعرها رخيص ، ولو لفيتي السوق كله مابتحصلين اقل من هاالسعر ..
وباستهزاء واضح قالت غايه :
غايه : ومنو قالك اني ادور بضاعه رخيصه .
اندهش علي من كلامها وهو يقول :
علي : في العاده الناس ايدورون على بضاعه زينه وبنفس الوقت سعرها معقول .
ضحكت غايه هالمره بصوت اعلى وقالت :
غايه : انا ما يهمني بضاعه غاليه ولا رخيصه ، انا اللي ايهمني اتكون جديده وحلوه ونادره في السوق ، مهما كان ثمنها ...
سكت علي فتره ، وهو يفكر ، وفي النهاية قال :
علي : مهما كان ثمنا ...
قالت غايه بحزم :
غايه : مهما كان ثمنا .
سكت علي مره ثانيه وهو يقول :
علي : والله ما ادري شو اقولج .. هذي البضاعه المتوفره عدنا ... بس ...
خزته غايه بعين وهيه اتقول :
غايه : بس شوه ..
اتردد علي قبل لايقول :
علي : اممم .. الصراحه ..احنا عدنا بضاعه خاصه .. بس هذي انييبها بطلب خاص لكبار التجار او العائلات الغنيه وايد و ..
قاطعته غايه بسرعه وهيه اتقول :
غايه : طلعها الحينه بسرعه ..
قال علي بصوت هادي :
علي : يا مدام ... للامانه اقولج ... ها لبضاعه ما تستاهل ابدا سعرها ... ومب احنا اللي نرفع سعرها .. احنا نستوردها بسعر غالي ... ومع انها جديده وحلوه .. لكنها ما تستحق ابدا سعرها .. وهيه مخصصه مثل ما قلتلج للتجار الكباروالعائلات الغنيه اللي ممكن يدفعون بدون حساب مقابل الحصول على موديلات جديده قبل الناس العاديين و ..
قاطعته غايه بصوت عالي :
غايه : ومنو قالك اني فقيره ... انا اقدر ادفع سعرها مهمن كان ..
حاول علي يقنعها وهوه يقول :
علي : يا مدام البضاعه وايد غاليه وما تستاهل و ..
قالت غايه بعصبيه :
غايه : وانته بتدفع من جيبك .. انا اللي بدفع وانا حره .. بيزاتي واصرفها بمزاجي ..
سكت علي لحظات وبعدها قال :
علي : وفيه مشكله ثانيه بعد... مشكله اكبر من سعر البضاعه ...
سالته غايه باهتمام :
غايه : مشكله مثل شوه .
جاوب علي بهدوء :
علي : احنا طالبين ها البضاعه بشكل خاص ، وبكميات محدوده ، وعاطين حريم التجار فتره محدده عشان توصل البضاعه ويستلمونها ،... والبضاعه واصله اليوم ، وفي أي وقت ممكن تسأل أي حرمه من حريم التجار عنها ، ولو ما حصلتها في المحل بتسويلنا مشكله ، ويمكن ما تتعامل مع المحل في المستقبل .. و استيراد بضاعه ثانيه بنفس المواصفات .. تحتاج لوقت طويل .. وهم ما فيهم صبر أبدا ..
ابتسمت غايه وقالت في ثقه :
غايه : انته ما عليك ، اذا سألوك عن البضاعه.. قولهم خذتها غايه بنت عبيد وهم بيتفهمون الموضوع .. وعشان تطمن اكثر بعطيك بطاقتي وفيها كل ارقامي .. واي وحده تسألك... حولها علي وانا بتفاهم وياها ... حريم التجار كلهم ربعي ويعرفوني عز المعرفه .. وما بيزعلون ابدا اذا عرفوا اني ماخذه البضاعه .
بدا الارتياح على وجه علي وهوه يقول :
علي : اذا السالفه جذيه ، تعالي معاي الدور العلوي وبراويج البضاعه الخاصه .وامري لله ..
ابتسمت غايه وهيه اتقول :
غايه : أخير بحصل على قطعه حلوه في ها السوق التعيس .
طول ها الوقت كان يوسف ايراقبها وعينه مانزلت عنها ويسمع حوارها مع علي ، واول ما اتحركت باتجاه الدرج عشان تركب للطابق العلوي ، اتحرك يوسف وراها .... وبعد ما صعدت غايه بثواني صعد يوسف وراها ..
وكان هدفه شي واحد ... غايه...
بيروي ظمأ قلبه بشوفتها ...
وبيكلمها ...
مهما كانت النتايج ...
**************************
**************************
ببطء شديد صعد يوسف على الدرج ، ولما وصل للطابق العلوي ، شاف علي وهوه مطلع مجموعه من القطع الخاصه على الطاوله ، وغايه كانت اتجلب فيهم ... كانت غايه عاطيه ظهرها ليوسف اثناء ما كانت واقفه امام الطاوله ... ورفع يوسف ايده وشاور لعلي ... واول ما شاف علي الاشاره تحرك باتجاه يوسف وقاله :
علي : نعم عمي بغيت شي .
قاله يوسف بصوت واطي وايد :
يوسف : انته انزل تحت جابل ************اين ، وخلني انا بجابل ه************ونه .
وبصوت أوطى قال علي :
علي : لا يا عمي ما يصير اتعبك وو ..
قاطعه يوسف بانفعال مكتوم :
يوسف : اسمع الكلام وانزل بسرعه ..
استغرب علي من انفعال يوسف لكنه قال :
علي : على أمرك يا عمي .
ونزل علي ، والتفت يوسف مره ثاني صوب غايه اللي كانت اتجلب قطع الثياب وتختار اللي يعجبها بهدوء ... واتجرب يوسف أكثر وأكثر .. ليما صار وراء ظهرها تماما .. وبدون ما تحس فيه بسبب انشغالها بالثياب ....
واثناء ما كانت غايه تختار واتنقي القطع ... كان يوسف يتذكر اللي صار قبل خمس وعشرين سنه... يوم كانت على ساحل البحر في الجزيره .. لحظة ما اتجرب منها وهيه تمسك الثياب وتغسلهم .. وها الشيء قاعد يتكرر الحينه جدامه ولكن بصوره مختلفه .. في الماضي كانت ماسكه الثياب القديمة واتغسلهم ..
.. والحينه... في الحاضر.. قاعده تمسك الثياب وتختار الاغلى منهم ..
وبعد ما اختارت غايه اللي تباه شلت الثياب بيدها واستدارت للخلف على اساس اتحط الثياب على الطاوله الثانيه ...
واول ما استدارت وراها اتفاجأت بيوسف واقف وارها ، مثل ما تفاجأت فيه في لقاءهم الاول عند ساحل البحر في الجزيره قبل سنين طويله لما كانت اتغسل الثياب...
وكأن التاريخ يعيد نفسه.... فرت غايه قطع الثياب الغاليه من ايدها .. مثل ما فرت ثياب الغسيل القديمه من ايدها قبل ربع قرن ... وحطت ايدها على صدرها مثل ما سوت هالشيء ايضا من قبل .... وقالت نفس الكلمه اللي سبق وقالتها في هذاك الوقت :
غايه : انته ما تستحي .....
ابتسم يوسف من تصرفها ومن كلمتها الاخيره وقال:
يوسف : نفس هالكلمة قلتيها وبنفس هالموقف قبل ربع قرن ..
اتراجعت غايه لوراها وهيه مستغربه من جرأته .. لكنها قالت في عصبيه .
غايه : انته عن شوه تتكلم .
وبلهجه هاديه ممزوجه بالحنان قال :
يوسف : أقصد انج.. مثل ما انتي ... ما تغيرتي رغم كل التغيرات الظاهره على شكلج وتصرفاتج... ياااا .... غايه .
اتفاجأت لحظة ما نطق اسمها وقالت :
غايه : انته كيف عرفت اسمي .. انته اكيد سمعتني اقوله للعامل تحت صح .
ابتسم يوسف وقال :
يوسف : انا اعرف اسمج قبل لا ينولد ها العامل .. من زمان بعيد .. من خمس وعشرين سنه او حتى اكثر ..
سألته في اهتمام :
غايه : انته منوه ...
جاوبها يوسف بهدوء :
يوسف : يوسف !..
سألته في اهتمام اكبر :
غايه : يوسف ؟ أي يوسف ؟!
رد عليها بصوت حازم وقال :
يوسف : يوسف بن شيبان ...
حست غايه بصدى اسمه يتردد في أغوار أعماقها.. وشعرت بنفضه عنيفه اتهز جسمها بكل شرايينه ... وبدون وعي... حست بصرخه قويه تنطلق من جدران قلبها... وترجمتها على شكل نبرات صوتيه عاليه اترددت على لسانها وهيه اتقول :
غايه : يوسف بن شيبان ؟!
وبصوت حزين قال يوسف :
يوسف : هيه يوسف ... يوسف اللي كان يلعب معاج وراء التل الصغير عند ساحل البحر القديم فوق ارض الجزيره ...... يوسف اللي عاش معاج احلى ايام عمره .. طفولته .. وشبابه ... يوسف اللي كان في يوم ومازال ايحبج .
وبصوت خافت ممزوج بدهشه لازالت واضحه على ويه غايه قالت:
غايه : يوسف اللي كان يحبني ومازال ايحبني ...
قال يوسف بلهجه حنونه :
يوسف : هيه... كان و ما زال وبيظل ايحبج .... وانا آسف اني أنقلج مشاعري هذي... مب من حقي اصرح فيها ... لانج اكيد الحينه على ذمة ريال .. وما يجوز انتهك حرمة ها الريال حتى لو كنت أحبج ..
ابتسمت غايه من ملاحظته الاخيره وقالت :
غايه : طول عمرك حساس يا يوسف .. وتحترم مشاعر الناس ولو على حساب مشاعرك .
يوسف : اللي ما يحس بأحساس غيره ... ما عنده احساس ..
ابتسمت مره ثانيه غايه وقالت :
غايه : هذا لو كان أصلا موجود ..
سألها يوسف باهتمام :
يوسف : شو قصدج .
ردت عليه بنبره حزينه :
غايه : الله يرحمه ..... عطاك عمره من زمان ...
نزل يوسف عينه للارض وقال :
يوسف : الله يرحمه ويغفر له ..
سادت لحظات صمت حزينه قبل لا اتقول غايه :
غايه : على العموم مشكور على ها المشاعر الطيبه ، والله ايباركلك في زوجتك وعيالك ..
وبابتسامه باهته قال يوسف :
يوسف : بس أنا مو متزوج يا غايه ، ولا اتزوجت من قبل.
استغربت غايه من كلامه وقالت بدهشه :
غايه : ما اتزوجت ؟! ليش ؟؟
اطالعها بنظره مشعه بالحب وقال :
يوسف : يا غايه .. انا ما وعدج بيوم اني ما اكون لغيرج .... طال الزمن أو قصر ..
حست غايه باضطراب عنيف بمشاعرها بعد كلمة يوسف الاخيره ، ونزلت عينها في الارض حياءا وخجلا منه ... وحاولت اتغير الموضوع باي شكل وعشان جذيه قالت :
غايه : آآآ ، اقعد يا يوسف .. تراني مشتاقه وايد للجزيره وأخبار اهل الجزيره.... سولفي عنها وقالي شو صار فيها بالتفصيل من ساعة ما طلعنا منها... ولين اليوم..
اتحرك يوسف ، وحمل معاه كرسين ... قعدت غايه على الكرسي الاول.. وقد هوه على الكرسي الثاني ... وبعد لحظات صمت قصيره قال يوسف :
يوسف :... شو اقولج يا غايه .. عشنا ايام شده وكرب اثناء وبعد الاحتلال ... بعد حوالي سنه من طلوعكم من الجزيره .. وبتاريخ الثلاثين من نوفمبر سنه واحد وسبعين .. وبالتحديد الساعه خمس ونص الصبح .. اتفاجأنا بطيارات ( فانتوم ) تحوم حول الجزيره ... وتطلق قنابل مسيله للدموع على البيوت .. وبعد دقايق شفنا مجموعة سفن من القطع البحريه للاحتلال ... وبعدها دخلت مجموعة من جنود الاحتلال الجزيره واشتبكوا مع الشرطه المحليه للجزيره .. وتمكنت شرطة الجزيره من قتل ضابط للمحتلين .. لكنهم ما صمدوا وايد بسبب قلت امكانياتهم ونفاذ ذخيرتهم .... وبعد ما سيطر المحتلون على الجزيره .. طلعوا كل السكان من البيوت وبدوا ينهبونها .. وخلوا السكان واقفين في الشمس ساعات طويله ... وبعدها شحنوا السكان وحملوهم بالغصب في مراكب ... ورحلوهم قسريا لامارة راس الخيمه والشارجه . ** ((( كل ماذكر احداث حقيقية ))) **.
قاطعته غايه وهيه تتساءل :
غايه : وانته كيف ظليت في الجزيره بعد ما رحل كل او اغلب السكان من الجزيره .
قال يوسف بصوت هادي :
يوسف : ابوي الله يرحمه وبعض التجار .. اتفاوضوا مع قوات الاحتلال واصروا ان يظلون في الجزيره بسبب مصالحهم الكبيره فيها.. مقابل انهم ايدلون قوات الاحتلال على اماكن الذهب اللي كانوا مخبينها ، ووافقت قوات الاحتلال على بقائهم بشرط ان اللي يظل ياخذ جنسية بلد المحتلين .. وبالتالي ما بقى في الجزيره الا قليل من العائلات اللي تنعد على الاصابع ..
سكت يوسف لحظات.. وبعدها تابع :
يوسف : لكن قوات الاحتلال ما وفت بكل وعودها .. فبعد حصولنا على جنسيتهم ، وحصولهم على كل ذهبنا .. سلبت منا كل اراضينا وعقاراتنا وثروتنا .. وهذا اللي ما تحمله الوالد ، .. ومات بعد ايام من كثر القهر والغصه والذل .. ولحقته الوالده بعد ايام قليله ...
قالت غايه متساءله :
غايه : وليش ما جيت الامارات بعد وفاة ابوك ..
ابتسم يوسف وهو يقول :
يوسف : اول شي انا ما اقدر ابدا افارق الارض اللي عشت فيها .. الارض اللي شفتج وحبيتج فيها .. وكان الموت اهون علي من فراقها .. وبعدين انا كنت حاصل على جنسية دولتهم .. واتحاد الامارات قام بعد يومين من الاحتلال ..والناس بدوا يحصلون جنسياتهم .. صحيح ان راس الخيمه اتاخرت حوالي شهرين وثمان ايام للانضمام للاتحاد .. لكني ما قدرت ابدا مفارقة جزيرتي ...
حست غايه بغصه والم يعتصرون قلبها ، وحاولت اتغير ها الموضوع المؤلم قالت :
غايه : آآآ يوسف .. شخبار صاحبك حسن .. اللي كان يلعب معانا يوم كنا صغار ..
ابتسم يوسف وهو يقول :
يوسف : بخير وعافيه .. وحسن من الناس القليلين اللي ظلوا في الجزيره .. والحين هوه شريكي في كل محلات الثياب بما فيها هذا المحل ..
ابتسمت غايه يوم عرفت هالاخبار عن حسن وتابعت :
غايه : وهذاك الولد الاسمر... اربيعك الثاني ... شو اسمه ... توه على بالي ... هيه ... هذاك ولد سهيل خميس ..اعتقد...
اتغيرت ملامح يوسف يوم سمع اسم ها الشخص وقال :
يوسف : قصدج (( سالم ولد سهيل خميس )) ..
اتفاجأت من تغير لهجته وسألته بصوت واطي :
غايه : ليش شو فيه ..
و بصوت يحمل كل معاني المرارة قال :
يوسف : (( سالم سهيل خميس )) كان ضمن افراد الشرطه المحليه للجزيره .. وكان اول من استشهـــد فيهــــا ..... ** استشهد في (( 30 / 11 / 1971 )) **
نزلت غايه راسها للارض في تأثر .. وحاولت تمسك دمعه تتهرب من عيونها ... ولاحظ يوسف تأثرها ، فحاول تغير الموضوع وقال :
يوسف : خلينا من ها السالفه وقوليلي عن كل اللي صارلج من يوم ما وصلتي الامارات ليما اليوم ..
عدلت غايه من جلستها وظلت لحظات تستجمع ذكرياتها واترتب احداثها وفي النهاية قالت :
غايه : بعد وصلنا دبي في سنه سبعين.. سكنا في البيت اللي عطانا اياه ابوك ... واشتد المرض على ابوي اكثر بسبب حالته النفسيه السيئه بعد مافارق ارضه في الجزيرة .. وعشنا ايام صعبه .. واحنا ما لقين لقمة عيشنا ....
و بعد حوالي شهر .. اتقدم لي واحد من اللي عرفهم ابوي في دبي ... وكان ريال طيب لكنه اكبر مني بحوالي عشرين سنه ... واضطريت اني اوافق عليه بسبب حالتنا الماديه الصعبه ....
وفعلا .. الريال كان كريم ... وما قصر علينا بشي ... وكان يصرف علي أنا وابوي لان ابوي ما كان يقدر يطلع البحر ... وانجبت منه بعد سنه بنتي الاولى نوال .. وفي السنه الثانيه انجبت بنتي الثانيه مريم ..
سكتت غايه لحظات وهيه شارده الفكر .. وكأنها تسترجع بصعوبه ذكريات قديمه ما كانت اتحب تذكرها ، لكنها استمرت وقالت :
غايه : بعد خمس سنوات من زواجنا اتوفى زوجي بمرض خبيث... وقررت اني اتفرغ لتربية البنات فيما بقى من عمري ..
قاطعها يوسف بأدب وقال :
يوسف : آآ ممكن اسأل سؤال بسيط ..
قالت غايه باهتمام :
غايه : اتفضل ..
اتردد يوسف قبل لايقول :
يوسف : واضح على هيئتج وشكلج وحتى تصرفاتج .. الخير والنعمه .. فممكن اسأل كيف رزقكم الله اياها ...
ابتسمت غايه وهيه اتقول :
غايه : مثل ماقلت ... رزق من الله اولا... و...أبــوك ثانيا ..
اتفاجأ يوسف يوم سمع سيرة ابوه وقال :
يوسف : ابوي ؟!
ابتسمت غايه ابتسامه أكبر وهيه اتقول :
غايه : اتصور عاد أبوك اللي طردنا شر طرده من ارضنا بحجة انا فقارى وما نصحله هو السبب بعد الله في غنانا ...
سكتت غايه لحظه قبل لا اتابع :
غايه :.. بعد الاتحاد .. حصلنا على جنسية الدوله .. ومع انتشار الثوره النفطيه اللي عمت كل ارجاء البلاد ... بدت مشاريع عمرانيه ضخمه في كل انحاء الدوله .. ودبي كانت من ضمنها .. ومن حسن حظنا او بالاصح توزيع ارزاق من ربنا .. كان البيت اللي عطانا اياه ابوك واقع في منطقه تجاريه مهمه وحساسه .. وعلى ها الاساس سحبوا منا البيت وبنوا على مكانه عماره ضخمه وسجلوا العماره باسم ابوي على اساس انه مالك الارض الاصلي .. ودرت علينا العماره مدخول كبير.. ومع مرور السنين اشترى الوالد عقارات ثانيه وثالثه .. وبنى عمارات كثيره .. واتوسعت اعماله .... وأسس شركات كبيره .. ليما صار في النهايه من تجار دبي المعروفين ..
ابتسم يوسف في دهشه وقال :
يوسف : يا سبحان الله .. كأن الله تعالى... نزع الثروه والغني من ابوي واعطاه لابوج .. وجعل ابوي السبب الرئيسي في غناه ... سبحان الله .... ليتك دريت يا بوي ان الغنى والرزق بيد الله وحده يمنحه من يشاء وينزعه ممن يشاء وبغير حساب ..
مرت لحظات صمت بعد كلمات يوسف الاخيره ما قطعها الا يوسف لحظة ما قال :
يوسف : الا ... شخبار عمي عبيد ، عساه بخير وعافيه ..
بدا التاثر على ويه غايه وهي اتقول :
غايه : ابوي اتوفي قبل سنتين يا يوسف .
شاركها يوسف مشاعرها الحزينه وقال :
يوسف : الله يرحمه ويغفر له ... صدق كان ريال طيب ..
قالت غايه بآسى :
غايه : بس اتصدق يا يوسف .. رغم كل اللي حققاه أبوي في دبي من ثروه وغني وعشرات الملايين ... كان يتمنى يندفن بالارض اللي انولد فيها .. هناك على ارض الجزيره .. بس انته عارف زين .... سلطات الاحتلال تمنع مواطني الدوله من الدخول للجزيره.
قال يوسف بصوت خافت :
يوسف : هيه ادري ..
صمت يوسف فتره ومن ثم قال :
يوسف : الا ما خبرتيني عن بناتج .. اكيد الحين كبروا وصاروا عرايس ..
ابتسمت غايه وهيه اتقول :
غايه : البنت العوده نوال ... انولدت بتاريخ اثنين ديسمبر سنه واحد وسبعين .. يعني في نفس يوم الاتحاد ...وكنا دايما انسميها بنت الاتحاد ...
البنت هاي اتخرجت قبل سنتين من الكليه ، وعرست قبل سنه تقريبا .. وماخذنها ولد واحد من المسؤلين الكبار في ابوظبي.. وريلها نفسه ماسك منصب مهم وحساس في بوظبي ..وهيه عايشه معاه في ابوظبي ...
اما البنت الثانيه ... مريم .. فاتخرجت السنه الماضيه .. واتزوجت قبل شهرين بس .. وما خذنها واحد من العين .. وعايشه معاه هناك ..
قاطعها يوسف وقال :
يوسف : يعني انتي عايشه بروحج في البيت الحينه ؟!
قال غايه بصوت حزين :
غايه : هيه والله ...عايشه بروحي .. انا والخدم ...
سألها يوسف باهتمام :
يوسف : عيل.... شو اتسوين طول الوقت ..
ابتست غايه وهيه اتقول :
غايه : ما بتصدق شو اسوي .. طول اليوم الف الاسواق واشتري ... اشتري أي شي... المهم اني اشتري .. اشتري مهما كان الثمن غالي ... وما ببالغ اذا قلتلج اني قاعده اصرف بوحشيه .. ما ادري ليش .. ممكن انتقاما من سنين الفقر والحرمان اللي عشتها ... ويمكن ...
سكتت غايه بعد كلمتها الاخيره وهذا اللى خلى يوسف يسألها :
يوسف : ويمكن شوه ..
ركزت غايه عينها في عيون يوسف بعمق وهيه اتقول :
غايه : ويمكن احساسي بفقدان الحب والحنان .. هو اللي خلاني انسانه ثانيه .. انسانه عايشه بدون هدف .. بعد ما حققت هدفي المرحلي بتربية بناتي وتزويجهم...، يا يوسف ... انا عايشه بفله عريضه وطويله .. لكن بدون روح ولا احساس .. كان خاطري اعيش لحظة حب مع انسان احبه ولو يوم واحد بحياتي .. صحيح ان زوجي كان ريال طيب وما قصر علي بشي .. لكني ما حسيت بطعم الحب معاه ابدا ... صدقني يا يوسف عمري ما حسيت بالحب الا معاك .. وبرغم مروركل ها السنين الطويله .. حبك مازال حي بقلبي .. احسه ساكن بصدري.... يتحرك بجسمي .... مع كل نبضه من نبضات قلبي ....
مرت لحظات صمت طويله بعد كلامها الاخير .. واتلاقت عيونهم لفتره مب قصيره .. وما قطع لحظات الصمت الرهيبه الا يوسف لحظة ما قال :
يوسف : وليش نحرم نفسنا اكثر من جذيه .. مب كفايه سنين الحرمان الطويله ... خلينا انعيش حياتنا فيما بقى من أجلنا ...
سألته غايه بدهشه :
غايه : شو قصدك يا يوسف .
وبنظره حنونه من عين يوسف قال :
يوسف : ما حان الوقت يلتم شملنا من جديد بعد سنين الفراق الطويله.. ، وانعيش مع بعض في بيت واحد وتحت سقف واحد ...
حست غايه بفرح شديد يتغلغل بكيانها ، لانها فعلا كانت اتفكر نفس تفكيره... لكنها اتفاجأت بالحياء والخجل ايهل عليها... والحياء دايما ايزورها بها المواقف .. وعشان جذيه قالت :
غايه : يا يوسف .. تبانا نتزوج بعد ها العمر الطويل ...
ابتسم يوسف وقال :
يوسف : يا غايه .. انتي بنفسج قلتي .. خاطري اعيش لحظة حب مع انسان احبه .. ولو يوم بحياتي ... وبعدين احنا مب كبار لها الدرجه .. بعدنا في بدايه الاربعين .. يعني في مرحلة شباب متأخر .. وو
قاطعته غايه وهيه اتقول بخجل :
غايه : بس ... كيف اقنع بناتي بزواجي .. مالي ويه اخبرهم ... صعب اني اقولهم بتزوج عقب ابوهم ..
قال يوسف بهلجه هاديه :
يوسف : يا غايه .. انتي ما قصرتي معاهم ابدا .. ربيتيهم وعلمتيهم ... وزوجتيهم .. وانتي بعدج صغيره وعايشه بوحده وفراغ ..ومن حقج اتعيشين حياتج حالج حال كل البشر..وبناتج متعلمات.. واكيد بيقدرون ها الشي تماما ..
سكتت غايه قبل فتره قبل لا تقول :
غايه : والله ما ادري شو اقول و..
قاطعها يوسف وقال :
يوسف : لا تقولين شي .. خلينا انعيش حياتنا في حب وسعاده .. خيلنا انودع الاحزان وانعيش بعالم من الاشجان والرضى والامان .. خلينا نتزوج ونرجع لارضنا هناك في الجزيره ونلتقي وراء التل الصغير عن ساحل البحر القديم ..
قاطعته غايه وقالت :
غايه : وكيف اقدر ادخل الجزيره وهم مانعين مواطني الدوله من دخولها .
رد عليه يوسف بثقه :
يوسف : انا بدبر ها الامر مع سلطاتهم .. وبيعتبرونج حاله خاصه لانج اولا حرمه والشي الثاني لانج بتكونين زوجتي ، وانا احمل جنسيتهم.
سكتت غايه لفتره ويوسف يتريا الجواب على بركان من نار .. وقال بصوت مبحوح وهو يتوسل لها :
يوسف : ارجوج يا غايه ... فكري زين يا غايه ... ارجوج فكري ..
ما كانت غايه بحاجه للتفكير .. لان حماسها ما يقل ابدا عن حماسه ، وان كانت اتعاند واتكابر .. وعشان جذيه قالت :
غايه : اتمنى اكون معاك اليوم قبل باجر ..بس
سكتت فتره وبعدها قالت :
غايه : الله يعطيني الشجاعه والجرأه واقدر اخبر بناتي .
وبلهجه حانيه قال يوسف :
يوسف : اتوكلي على الله وبتحسين بالعزيمه تسري في عروقج .
نزلت غايه عينه للارض وقالت :
غايه : بحاول .. انشا الله بحاول ...آآآ اسمع انته كم يوم بتم في دبي ..
يوسف : تقريبا اسبوع واحد ...
حركت غايه ايدها وهيه اتقول :
غايه : المده قصيره وايد ... انا لازم اتحرك بسرعه ... انا باجر الظهر بسير بوظبي عند بنتي العوده نوال ... وبحاول امهد الها الموضوع واخبرها بطريقه سلسه بحيث ما تنجرح مشاعرها ... واذا اقتنعت نوال .. بتقتنع اختها مريم .. لان مريم تحترم اختها وايد .. ودايما تاخذ برايها ومشورتها ..
قال يوسف بارتياح :
يوسف :اللي فيه الخير يقدمه ربج .. وانا على الانتظار ... واذا بغيتيني بأي وقت .. اتصلي بالمحل وهم بيحولونج علي ..
وبنفس اللهجه قالت غايه :
غايه : وانا بعد .. اذا بغيتني .. ارقامي موجوده عند العامل تحت .. وان انشا الله برد عليك خبر باسرع وقت ممكن ....
وبعد كلمتها الاخيره ساد الصمت المكان ، وسرحوا الاثنين في عالم من التفكير ... يوسف يفكر في حياته اليايه .. الحلم جرب انه يتحقق .. اخيرا بيجتمع مع غايه ... اخيرا بيقعد معاها هناك .. وراء التل الصغير عند ساحل البحر القديم ... اخيراأ ..
وغايه ... ما اختلف تفكيرها كثيرا عن يوسف .. وان شابه القلق والتوتر بسبب المهمه الصعبه اللي تترياها ... كيف اتخبر بناتها .. بناتها اللي عادينها ام مثاليه ووفيه لذكرى ابوهم ...اتعرس ... لكن لا ... من حقي اعيش حياتي واتمتع في الباقي من عمري حالي حال الخلق ...
وعند هالنقطه... اتوقف تفكيرها .. وبدت تستعد لليوم الثاني ... بكل ما فيه من أحداث وأقدار .......
*****************
*****************
في اليوم الثاني ... وعند الساعه وحده الظهر تقريبا .. كانت غايه قاعده في فلتها ... فلتها المبنايه على ارض عوده ... شاسعه... ممتده على مرمى البصر ... ومبنى الفله نفسه كان تحفه معماريه ... تصميم في منتهى الروعه ... صممه اكبر المهندسين وابرعهم ... ولحظة ما تدخل الفله تبهرك بفخامة ديكوراتها ، والتحف الأثرية في ممراتها .. واللوحات الفنيه على جدرانها ...
وفي ها اللحظة كانت غايه قاعده في صاله من صالات البيت الكثيره .. اللي منتشره في الدور الارضي والدور العلوي ....
ورغم انها قاعده في فله واسعه وايده وتتوافر فيها كل سبل الرفاهيه والترف .. الا انها... كانت حاسه بضيق .. وضيق شديد .... ضاقت عليها الفله بما رحبت ...
والسبب معروف ..لانها عايشه بروحها بها الفله العملاقه وبدون اهل ... بناتها اتزوجوا وعاشوا في امارات مختلفه .. وخلوها بروحها .... وجنه بدون ناس ما تنداس ..... وعشان جذيه ... كانت تتريا بفارغ الصبر سيرتها لبوظبي عشان اتخبر بنتها نوال بأهم موضوع بحياتها ... موضوع زواجها من يوسف .. السيره اللي حددت موعدها في الساعه ثنتين الظهر.. وخبرت السائق ايجيها في ها الموعد ويوصلها بيت بنتها في بوظبي ...
واثناء ما كانت اتفكر .. اتذكرت انها ما صلت صلاة الظهر .. وعلى طول اتناولت سجادة الصلاه .. ولفت الشيله البيضاء حول جسمها .. وبدت اتصلي .. وصلت بخشوع ... وخشوع شديد .. وكأنها تتوسل لربها بان يمدها بالشجاعه والعزيمه عشان اتخبر بنتها .....
وصلت الركعات الاربع ، واول ما انتهت من الصلاه وسلمت التسليمه الاخيره ... سمعت صوت من خلفهـــا ايقــــول : حرمـــن ..
التفت غايه لمصدر الصوت ، واول ما شافت صاحبة الصوت ابتسمت بفرح وقالت :
غايه : نـــوال ! انتي هنيه .. متى ييتي ؟! .
اتحركت نوال باتجاه امها وحبتها على راسها وهيه اتقول :
نوال : تونيه واصله قبل دقيقه ..
اتساءلت غايه :
غايه : وليش ما خبرتيني انج يايه اليوم ..
ردت عليها نوال بابتسامه اكبر وقالت :
غايه : الصراحه يا امي .. انا يايه دبي عشان اسير الصالون ... لان عرس ربيعتي علياء مال بوظبي اليوم .. فانا ييت مع اربيعتي الثانيه كوثر عشان نتعدل في الصالون هنيه وبعد ما انخلص بنسير بوظبي وبندخــل صالة العرس ..
قالت غايه باستغراب :
غايه : عيل وين اربيعتج كوثر ما اشوفها معاج ..
ردت عليها نوال بسرعه :
نوال : كوثر نزلتها في الصالون قبل شوي ، لانها بتتعدل قبلي .. وانا قلت باستغل الفرصه واقعد معاج ها الساعتين ليما اتخلص كوثر وبعدها بسير الصالون ..
ابتسمت غايه وهيه اتقول :
غايه : يعني يايه عشان الصالون ...ما يايه عشان امج ..
ردت عليها نوال بابتسامه وقالت :
نوال : لا يا اميه... افا عليج ... انتي الخير والبركه .. انا ما صدقت حصلت فرصه اشوف فيها يا احلى ام في الدنيا كلها ...
حست غايه بحنان كبير اتجاه بنتها وقالت :
غايه : الله لا يحرمني منج يا بنيتي .. واتصدقين ... انا كنت ناويه اييلكم اليوم ، وفعلا كنت مخبره السايق ايمر علي بعد ساعه ..
ضحكت نوال وهيه اتقول :
نوال : شفتي عاد ... وفرت عليج مشوار بوظبي ... ومع هذا.. ابيج اتشلين اغراضج وترجعين معاي بوظبي ...
حركت غايه راسها بأشارة النفي وقالت :
غايه : انا كنت ناويه اقعد معاج ساعه وارجع ... والحينه خلاص... انتي بتمين ساعتين عندي ... بس ..
قاطعتها نوال :
نوال : بس شوه ..
اتساءلت غايه :
غايه : ابي اسألج يا نوال ... يعني ...ما شي صالونات في بوظبي عشان تقطعين ها الخط الطويل .. وبعدين انتي حامل يا بنتي والطريج تعب عليج ..
ومع ابتسامه عريضه قالت نوال :
نوال : يا امي ... انا متعوده على ها الصالون... تعديله وايد اوكيه ... اما بالنسبه للحمل فانا بعدني في الشهر الرابع ... وبوظبي جريبه ... وانا يايه بالسياره مب مشي ..
سكتت غايه لحظات قبل لا تقول :
غايه : آآ نوال انتي الحين سيري اقعدي في الصاله الثانيه وانا دقيقه ببدل ثيابي وبييلج ..
حركت نوال راسها باشارة الايجاب وقالت :
نوال : انزين ...
قامت غايه من مكانها ، ومسكت الشيله البيضه وحطتها في سجاده الصلاه ، ولفتها لفه كامله .. وحطتها بصندوق صغير مخصص الها .. واتحركت باتجاه غرفتها وبدلت ثيابها .. واتجهت صوب الصاله اللي قاعد فيها بنتها .. واثناء ما كانت تمشي .. حست برجفه في جسمها ... لانه جاء الوقت اللي بتفاتح فيه بنتها..
وهيه ما تدري شو بتكون ردة فعلها ... موقف صعب .. في العاده البنت هي اللتي تستحي يوم اتكلم أمها اذا حد اتقدم لخطبتها .. ها المره العكس .. الام هي اللي بتقول لبنتها ( يا يني معرس !! ) ....
واول ما قعدت غايه على الكرسي قالت بصوت هادي :
غايه : آآآ نوال ... بغيتج بموضوع مهم ..
ابتسمت نوال وهيه اتقول :
نوال : ما يحتاي اتقولين... انا عارفه الموضوع .
استغرب غايه من كلامها وسألت :
غايه : عارفه الموضوع ؟! عارفه شوه ؟
ردت عليها نوال بهدوء :
غايه : انتي اكيد وافقتي... صح ، وعشان جذيه تبين اتخبريني .
ازدادت دهشة غايه وهيه اتقول :
غايه : موافقه على شوه ؟!
وبصوت اعلى قالت نوال :
نوال : اووه يا امي .. كأنج نسيتي شو قلنا المره الماضيه ... انا ما قلتلج تعالي عيشي معاي في بوظبي بدل العيشه هنيه بروحج .. وانتي رفضتي .. ويوم الحيت عليج.... قلتي بفكر ... واكيد الحينه فكرتي واقتنعتي بكلامي .
انتهت دهشة غايه فقالت :
غايه : انا قلتلج من قبل .. ما يصير اطفل عليكم واعيش معاكم .. مهمن كان.. الريال ما يحب ابدا حد ايشاركه في بيته... حتى لو كانت ام زوجته ..
قاطعتها نوال وهيه اتقول :
نوال : هيه بس طارق موافق ويرحب فيج بعد وو ..
وبلهجة اشد قالت غايه :
غايه : حتى لو كان موافق .. مستحيل اقعد معاكم .. بيتكم لكم انتوا بس .. وهذا آخر كلام عندي ...
سكتت نوال فتره قبل لا تقول بصوت واطي :
نوال : عيل .. شو الموضوع المهم اللي تبيني فيه ..
حست غايه ان السانها مربوط ، والكلمات محبوسه بحلقها ، وما عرفت من وين تبدأ ولا شو اتقول ... لكنها قالت :
غايه : بسألج يا نوال ... انا بحياتي قصرت عليكم بشيء او منعت عنكم شي ..
وبدهشه واضحه جاوبت نوال على سؤالها :
نوال : لا يا اميه بالعكس .. انتي طول عمرج ما مقصره معانا بشي .. ربيتينا احسن تربيه .. وعلمتينا احسن تعليم .. وزوجتينا من احسن الرياييل .. ومهما انسوي طول عمرنا... ما نطلع من جزاج ....
ارتاحت غايه يوم سمعت ها الكلام وقالت :
غايه : الحمد الله .
ردت عليها نوال بسرعه وقالت :
نوال : بس ... شو مناسبة ها لكلام الحينه .. وشو علاقته بموضوعج ..
سكتت غايه فتره مب قصيره ، وكأنها تستجمع كل الشجاعه اللي عندها وفي النهايه قالت :
غايه : يا نوال انتي عارف اني عايشه بروحي بعد ما مات جدج.. الله يرحمه ، وانتي عارفه بعد ان المرحوم ابوج مات من زمان .. يعني من عشرين سنه .. وانا فرغت عمري لتربيتكم طول ها السنين .. لكن الحين بعد ما اطمنت عليكم ... من حقي اني اعيش حياتي في فيما بقى من عمري ..
سالتها نوال بدهشه اكبر :
نوال : شو تقصدين يا امي... ما فهمت .. يعني كيف اتعيشين حياتج ..
حست غايه برجفه تنتشر باطراف جسمها...لحظة ما وصلت لها النقطه بالذات ، لكنها قررت اتصارح بنتها بشكل مباشر واللي فيها فيها .. فقالت :
غايه : بصراحه يا نوال ... في واحد طالب ايدي ...يعني يبى يتزوجني ..
فزت نوال من مكانها يوم سمعت ها الكلام ، وظلت ساكته فتره وهيه تتطالع امها بنظرات غريبه وبعدها قالت بانفعال وعصبيه :
نوال : بتعرسين ؟! بتعرسين وانتي بعمرج هذا؟! ... وابوي .. نسيتي المرحوم ابوي ... هانت عليج العشره .. نسيتي ذكرى ابوي ..
قاطعتها غايه بصوت عالي :
غايه : اول شي انا مب عيوز .. انا بعدني صغيره .. انا يوم اتزوجت ابوج قبل خمس وعشرين سنه كان عمري 16 سنه .. يعني الحين عمري واحد واربعين سنه ... يعني بعدني في شبابي .. وانتي اكثر عن مره قلتيلي ان صديقاتج يتحروني اختج مب امج .. وبالنسبه لابوج ... فذكراه بعدها عطره عندي وما نستيه ولابنسى طيبته طول عمري .... لكن الحي ابقى من الميت.. والحياه لازم تستمر ... ومثل ما قلتلج من حقي اعيش حياتي بعد ما أمنت الكم مستقبلكم ..
ادركت نوال ان كلام امها منطقي .وعشان جذيه سكتت لحظات اتفكر . ثم ما لبثت ان سألت امها :
نوال : وها الريال وين شافج .. وكيف عرفتيه..
جاوبت غايه بثقه :
غايه : ها الريال كان جارنا هناك في الجزيره اللي كنا عايشين فيها ، قبل لا نهاجر منها انا وجدج وانعيش في دبي .، وها الريال وايد محترم وخلوق وولد ناس معروفين في الجزيره .. وها الريال ظل موجود في الجزيره بعد الاحتلال وما هاجر منها ... واليوم شفته بالصدفه في محله بدبي .. وطلب ايدي .. وانا ارتحت له ووافقت عليه ..
صرخت نوال في امها وقالت :
نوال : من الجزر .. اهل الجزر ناس فقارى .. واخاف ايكون طمعان في ثروتج وبيزاتج و ..
ابتسمت غايه بعد كلام نوال الاخير وقالت :
غايه : يوسف ؟! يوسف آخر واحد في الدنيا ممكن يطمع في ثروه او مال ..
صرخت نوال بصوت اعلى و بدون وعي ولا تفكير للكلام اللي اتقوله :
نوال : يا امي انتي بتضيعين ثروتنا و...
سكتت نوال فجأه بعد كلمتها الاخير ، وحست بالندم يعتصر قلبها ، واللي زاد من ها الشعور نظرة امها الحاده واللي انصبت عليها مثل النار .. وسمعتها اتقول :
غايه : انا بضيع ثروتكم يا نوال .. انيت نسيتي اني وارثه كل ها الثروه من جدج... وانه مالكم حق فيها طول ما انا عايشه ... ومع هذا اطمني .. انا كتبت ثلث الثروه لج انتي ، والثلث الثاني لاختج مريم ، وخليتلي الباقي .. واذا تبون انا مستعده اتنازلكم عن الباقي وعن كل الثروه بشرط انكم اتخلوني اعيش الباقي من حياتي في سعاده وأمان مع انسان ارتاحله ويسليني طول عمري ...
نزلت نوال عينها للارض وما قدرت اتحطها بعين امها من شدة الخجل والحسره والندم على اللي قالته ، وعشان جذيه رمت نفسها في احضان امها والدموع اتسيل من عينها وقالت:
نوال : انا آسفه يا اميه .. حقج علي .. انا ما كنت اقصد والله .. دخيلج سامحيني .. انتي الخير والبركه ... احنا من غيرج ما نسوى شي .. ارجوج.
داعبت غايه باصابعها خصلات صغيره من شعر نوال وقالت بحنان :
غايه : يا نوال انتي بنتي ... والام ماتزعل من بنتها... مهما سوت ..
وعلى الرغم من الدموع... ابتسمت نوال وقالت :
نوال : الله لايحرمنا منج يا امي.. طول عمرج قلبج كبير...
ومره ثانيه حظنت غايه بنتها بصوره أشد وهيه اقول :
غايه : ولا يحرمنا منج يا بنتي ..
وسادت لحظات حنان وصمت في ها الوقت .. ما قطعها الا صوت غايه وهيه اتقول :
غايه : والحينه يا نوال شو قلتي .. موافقه أو لا..... على زواجي ..
هزت نوال راسها باشارة الايجاب والقبول وهيه اتقول :
غايه : هيه .. اللي ايريحج اريحنا ..
ابتسمت غايه وهيه اتقول :
غايه : من قلبج يا نوال ..
وبانفعال صادق قالت نوال :
نوال : من كل قلبي يا امي .. وبالنسبه لاختي مريم لا تحاتين .. انا اعرف كيف اقنعها ...
في ها اللحظه بالذات حست غايه بسيول من الفرحه والسعاده تسري في كل عروق جسمها ... وما قدرت تكتم عبرتها .. ونزلت دموع الفرحه للمره الثانيه .. بعد ما نزلت للمره الاولى .. هناك .. على ارض الجزيره عند النخل القديم ، وقبل ربع قرن يوم طلب منها يوسف الزواج ....
اخيرا الحلم بيتحقق ... صحيح انه اتأخر سنين .. وسنين طويله .. لكنه في النهايه بيصير واقع ...
اخيرا ... برجعلك يا يوسف .. وبفرغ بحار حبي في شرايينك ..و
حست غايه بايد اتحركها واتقول :
نوال : اميه شو فيج سرحتي ..
صحت غايه من احلام يقظتها وقالت :
غايه : لا.. ما شي ... نوال .. بغيتج اتخبرين ريلج طارق عن ها الموضوع اليوم..
اتساءلت نوال عن مغزى كلام امها فقالت :
نوال : ريلي طارق ؟! وطارق شو خصه ؟ ها الموضوع خاص فينا بس ..
ردت عليها غايه بلهجه عاليه شوي :
غايه : يا نوال .. انتي عارفه انه ما عدنا ريال في البيت .. وطارق يستوي ريل بنتي العوده .. يعني لازم يستقبل يوسف ويتفق معاه على كل تفاصيل الزواج ..
قالت نوال بعد ما خفت عنها آثار الدهشه :
نوال : ايوه... صح كلامج .. طارق بمقام ولدج وهوه ريال البيت بعد وفاة جدي الله يرحمه .. انا بكلمه باسرع وقت ممكن ، وبخليه يتصل بيوسف ويتفق معاه على كل التفاصيل .. أي اوامر ثانيه ..
ضحكت غايه وهيه اتقول :
غايه : ما يامر عليج عدو .. بس .... كلميه اليوم لو قدرتي ..
ضحكت نوال بخبث وهيه اتقول :
نوال : وشو فيج مستعيله يا الحلوه ... ها الكثر العرس حلو .. اركدي واثجلي ... ترا الركاده زينه ...
احمر ويه غايه ونزلت راسها من كثر الحياء وهيه اتقول :
غايه : استحي على ويهج ... انتي نسيتي اني امج ...
ومع ضحكه عاليه قالت نوال :
نوال : لا ما نسيت .. وعشان جذيه .. ان اليوم ..واول ما ارجع من العرس .. بكلم طارق بها الموضوع... احنا كم أم عدنا ..هيه وحده .. أم نوال ..
وللمره الثالثه ضمت غايه نوال لصدرها بقوه وقالت :
غايه : وانا كم بنت عندي ... ما عندي في ها الدنيا غيرج انتي واختج .. الله لا يحرمني منكم ...
ورجعت غايه مره ثانيه لعالم الاحلام .. احلام اليقظه... وقعدت ترسم صوره جميله لمستقبل مشرق .. ولغد أفضل ...
وبعدها رفعت سماعة التلفون ... وزفت ليوسف ها الخبر السعيد ... اللي ما صدق ما تسمع اذنه .. وطاحت السماعه من ايده من شدة التأثر والفرح ...
******************
******************
بعد ما رجعــت نوال من العرس بالليل.. اتجهــت مباشرة لبيتهــا بمنطقــة ( المشرف ) في ابوظبي .. واول ما دخلت غرفتها شافت الساعه اللي معلقه على الجدار الايمن من الغرفه ، ولاحظت انها تشير للساعه وحده بالليل .. وعلى طرف الغرفه الايسر كان ريلها جالس على كرسي وهوه يتصفح احد المجلات .. وعلى طول قالت :
نوال : السلام عليكم .
رد عليها ريلها ببرود :
طارق : وعليكم السلام ... ليش متأخره ها الكثر ..
ردت عليه نوال بانفعال:
نوال : شو انسوي .. نزلوا العروس متأخره ... اتصدق نزلوها الساعه ايدعشر ونص .. وليما يابوا المعرس استوت الساعه اثنعشر ونص ..
رد عليها طارق بصوت اعلى شويه :
طارق : لازم يعني اتشوفون المعرس .. شان شفتي العروس وسلمتي عليها وطلعتي ..
رد عليه نوال بهلجه اكثر انفعالا :
نوال : شو اسوي .. ربيعتي أصرت اني اشوف ريلها و .
قاطعها طارق وهوه يقول :
طارق : خلاص خلاص فكينا من ها السالفه ... سيري الحينه وامسحي هالبلاوي اللي على ويهج ..
استجابة نوال لكلامه وهيه اتقول :
نوال : انزين على امرك ..
وبعدها .. وقفت نوال امام المنظره فتره طويله .. وهيه اتبطل وأتفك جيش من المشابك والمقابض الصغيره من شعرها ...وبدون ملل .. واحد وراء الثاني ..
وفي هاللحظه كان طارق يقرأ المجله .. لكنه رفع راسه لحظات واطالعها بنظره خاطفه ورجع مره ثانيه يطالع صفحات المجله وهو يقول :
طارق : ليش هذا كله .. فريج كامل من المقابض على راسج .. ليش ما تحطين مكياج خفيف واتريحين عمرج ..
التفت نوال صوبه وقالت بهدوء مع شوية دلال :
نوال : يا سلام .. ما تبى الحريم يقولون عن مرتك ... انها .... حلوه ...
رفع طارق راسه مره ثانيه صوبها وقال :
طارق : اهم شي اشوفج انا حلوه .. وانتي عاجبتني .. وعادنج احلى واجمل بنت في العالم .... فليش اتحطين الـ.....
قاطعته نوال بهلجه فيها شوي من العصبيه :
نوال : هذا ما يمنع اني ازيد من جمالي .. وبعدين اكثر الحريم هناك متعدلات .. شمعنى انا .. ولا تنسى انه عرس اعز صديقاتي وو ..
قاطعها طارق بسرعه عشان يفتك من السانها وقال :
طارق : خلاص خلاص اقتنعت .. كملي شغلج .. وانا بعد ما اخلص هالكلمتين بسير انخمد ...
رجعت نوال اتكمل شغلها ... ومع آخر مشبك ومقبض ينفك ، ويرتاح من شعرها .. اتذكرت كلام امها اليوم الظهر .. وعلى طول التفتت وراهــا وقالـــت :
نوال : آآ طارق .. بغيت اكلمك بموضوع مهم ..
بهـا اللحظه كان طارق متمدد على السرير وهوه يستعد للنوم وعشان جذيه قـال :
طارق : وها الموضوع ما يتأجل لين باجر .
سكتت نوال فتره وهيه اتفكر وبعدها قالت :
نوال : اعتقد... لا ..
ومع نفخه طويله من فم طارق قال :
طارق : انزين ... قولي بسرعه وخلصيني .. انا ادري .. طلباتج ما تقولينها الا آخر الليل ..
ضحكت نوال وهيه اتقول :
نوال : لا تخاف .. ما بطلب منك بيزات .. كل اللي اباه منك ... طلب بسيط.. وبسيط وايد وايد ..
اتساءل طارق :
طارق : طلب مثل شوه .
وبلهجه هاديه قالت نوال :
نوال : طلب بخصوص أمي .
مسك طارق اللحاف وغطى جسمه بالكامل بما فيه وجهه وهوه يقول :
طارق : اف منج .. يوم تبين الشي اتحنين واتزنين عليه .. انا قلتج امس .. اذا حبت امج اتعيش معانا .. انا راضي .. حياها الله في أي وقت .. وبيتنا عود ويشل كل الحبايب ... صدقيني ما عندي أي مشكله و ..
قاطعته نوال بسرعه وهيه اتقول :
غايه : اولا امي رافضه العيشه معانا في البيت .... وثانيا مب هذا الموضوع اللي بغيت اكلمك فيه ..
رفع طارق اللحاف من وجهه وهو يقول :
طارق : عيل شو الموضوع .
ترددت نوال اكثر من مره .. وظلت ساكته فتره .. لكنها في النهايه قررت تدخل في الموضوع مباشره فقالت :
نوال : آآ .. طارق .. امي يا لها معرس ...
نقز طارق من مكانه يوم سمع كلامها .. حتى انه طاح من السرير على الارض .. لكنه وقف بسرعه .. وهوه فاتح عينه من الدهشه .. وبعد فتره صمت .. انفجر طارق من الضحك وهو يقول ببرود فظيع :
طارق : الله يقطع سوالفج يا نوال ... دومج اتسوين فيني ها لمقالب ... ادريبج اتحبين الضحك والغشمره و ..
صرخت نوال بويهه من كثر غيظها من بروده الشديد وقالت :
نوال : انا ما اتغمشر .. امي صدق يالها معرس وهيه موافقه عليه ..
سكت طارق فتره وبعدها قال :
طارق : الحين بعد ما كبرت وشيبت ... تبى اتعرس ..
ردت عليه نوال بعصبيه :
نوال : اولا امي بعدها صغيره ... يوم خذت ابوي كان عمرها 16 سنه ... واحنا الحينه في سنة خمس وتسعين يعني عمرها واحد واربعين سنه .. وامي ما عاشت مع ابوي الا خمس سنوات .. يعني اتوفى ابوي وعمرها واحد وعشرين سنه ... ومع هذا ما عرست وضحت باحلى سنوات شبابها عشان اتربينا واتعلمنا واتكبرنا واتزوجنا .. والحين يوم حبت اتعيش حياتها.. وتعيش مع انسان محترم يراعيها ويسليها ما بقى من عمرها نوقف بطريجها .....
كان جوابها فعلا مقنع.. ولهذا ما لقى طارق أي رد مضاد .. لكنه قال بحذر :
طارق : يعني انتوا مب خايفين على ثروتكم .. اتروح بيد الغريب ..
صرخت نوال في وجهه وهيه اتقول :
نوال : من هالناحيه اطمن .. امي عمرها ما تنسانا ... امي كتبت ثلث الثروه لي والثلث الثاني لاختي .. يعني وهبتنا ملايين ... ومستعده تتنازل عن نصيبها مقابل انها اتعيش حياتها مثل ما تشتهي وتتمنى ..
رد عليها طارق بصوت هادي بعد ما حس بالاحراج من سؤاله وقال :
طارق : انتي عارفه يا نوال ، اني مب طمعان بثروتكم ... وعارفه اكثر اني من عائله غنيه ومعروفه وما علينا قصور .. وانا هدفي مصلحتج مب اكثر.
خفت نبرة نوال في الكلام وقالت :
نوال : اذا اتحبني يا طارق ... اوقف معانا وبارك هالزواج. .. ياطارق ... نفسية امي وايد تعبانه .. وما بترتاح الا بزواجها ..
وبحنان ورقه قال طارق :
طارق : اللي يسعدج يا حبيبتي يسعدني ... واللي يريح امج يريحني ...
ابتسمت نوال في ويهه وقالت :
طارق : مشكور يا طارق ما تقصر .. بس ..
قال طارق وهوه يتساءل :
طارق : بس شو بعد .. الزواج راضين عنه كل الرضا ... فيه شي ثاني ..
أشرت نوال على طرف صبعها الصغير وهيه اتقول :
نوال : أبي منك طلب هااااا لكبر .... اصغر من طرف هالصبع ..
ضحك طارق وقال :
طارق : شو ها الطلب اللي آآآآآآ صغر من طرف هاااالسبع ...
ضحكت نوال من تعليقه وقالت :
نوال : امي طلبت مني .. وبحكم انك ريل بنتها العوده .. انك تستقبل ها لريال .. وتتفاهم معاه على تفاصيل العرس و ..
اتفاجأت طارق من كلامها وقال :
طارق : يعني شوه... اقعد مع خطيب عمتي ام زوجتي ... لالا... استحي ..
وبانفعال قالت نوال :
نوال : ما فيها شي .. ولو كانت أمي اتعزك شان ما طلبت ها الطلب منك بالذات .
تردد طارق وهوه يقول :
طارق : هيه بس ..
قاطعته نوال وهيه اتقول بدلال :
نوال : عشان خاطري حبيبي ..
ابتسم طارق وهوه يقول :
طارق : عشان خاطر هالعيون بس .. انا حاضر ... خلي امج اتحددلي موعد معاه وانا بقابله ... انتي آمري بس ..
وبامتنان شديد قالت :
نوال : ما يامر عليك عدو .... تسلملي يا بوسيف ..
ضحك طارق من كلمتها الاخيره وقال :
طارق : وشو دراج ان اللي في بطنج ولد ، يمكن ايكون بنيه .. وبعدين ليش اتسمينه بدون اذني ..
وبابتسامه عريضه قالت :
نوال : ولد ولا بنيه .... ما يهمني .. المهم ان ابوهم احسن ريل في الدنيا ...والاسم مانختلف عليه دام احنا على قلب واحد .. واحساس واحد ..
وبحنان فائق قال :
طارق : انا لو الف الدنيا ما بحصل ظفرج يا نوال ...
سادت لحظات صمت .. وحب ... واشواق... بعد ها الكلمات ... ولحظتها حاول طارق ايغير الموضوع فقال :
طارق : الا .. ما قلتليلي يا نوال ... ها الريال من وين ..
تساءلت نوال :
نوال : أي ريال ؟!
رد عليها بسرعه :
طارق : الريال اللي متقدم لامج .. هوه من دبي ولا من بوظبي ..
سكتت نوال لحظه وقالت :
نوال : لا من دبي ولا من ابوظبي ..
اتساءل طارق :
طارق : يعني من الامارات الشماليه او يمكن العين .. او حتى المنطقه الشرقيه او الغربيه ..
ردت نوال بهدوء :
نوال : لا ... مب من المناطق اللي ذكرتها ..
استغرب طارق وقال :
طارق : عيل من وين ..
ردت عليه بسرعه وقالت :
نوال : من الجزر ...
رد عليها بدهشه :
طارق : جزر ؟ أي جزر !!
وبهدوئها المعتاد قالت :
نوال : من جزيرة طنب .. وانا سبق اني خبرتك اني جدي وامي هاجروا من الجزيره لدبي قبل احتلالها بسنه و ..
قاطعها طارق وقال :
طارق : يعني هالريال عايش الحينه هناك.... في الجزيره ..
سكتت نوال دقيقه وهيه اتفكر وبعدها قالت :
نوال : اممم .. اعتقد ان امي قالت انه ما طلع من الجزيره بعد الاحتلال .. وفضل ايعيش فيها و ..
قاطعها طارق بانفعال شديد وقال :
طارق : انت شو اتقولين يا حرمه ..
استغربت نوال من انفعاله وقالت :
نوال : شو فيك معصب .. هدي اعصابك شوي ...
وبالرغم من كلامها الاخير زادت عصبيته وقال :
طارق : تبين اسمع كلامج وما اعصب .
ردت عليه نوال بدهشه :
نوال : يا خي.. هدي اعصابك .. خلنا نتفاهم بهدوء ..
صرخ طارق بويها بصوره خلتها تتراجع للوراء وقال :
طارق : أي تفاهم ... أي تفاهم وانا قاعد اسمع تخاريفج...
زاد استغراب نوال وقالت :
نوال : أي تخاريف .. تقدر اتفهمني شو السالفه ..
وبعصبيه مستمره ومتصاعده قال طارق :
طارق : الريال هذا من الجزر ... يعني ما عنده جواز الامارات .. يعني حامل جواز وجنسية الدوله المحتله ... فهمتي ..
حطت نوال ايدها على راسها .. وقالت :
نوال : ويييه... اتصدق انا ما فكرت بها الشي ابدا ..
رد عليه طارق وهوه ايشاور بايده على راسها :
طارق : لان ها الراس ما فيه مخ عشان ايفكر ..
اتضايقت نوال من كلامه الاخير وقالت :
نوال : وشو تباني اسوي ..
طارق : شو اتسوين .. امج بتفضحنا واتقولين شو اتسوين .. انتي نيستي اني ريال معروف وماسك منصب حساس... انا اللي مقالاتي ماليه الصحف .. ويستضيفوني دايما في برامج التلفزيون .. واهاجم فيها وبشده زواج المواطنين من اجنبيات .. وزواج المواطنات من أجانب .. أزوج عمتي... ام بنتي لشخص اجنبي .. و
قاطعته نوال وهيه اتقول :
نوال : بس هوه اماراتي الاصل .. انته عارف ان الجزر في الاساس... تبع الامارات و ..
قاطعها بهلجه اشد :
طارق : بس هوه الحينه ما عنده جنسيه ولا جواز ويحمل جنسية هذيك الدوله .. الواقع يقول جذيه .. وبعدين قوليلي .. انتي عارفه زين اني ولد عائله معروفه وقبيله كبيره .. فكيف تبيني اناسب واحد يحمل جنسية هذيك الدوله.. وانتي تدرين زين ان اكثر الناس يعتبرونها عــار ... وعار بعد ....
سكتت نوال وما عرفت شو اتقول .. لكنها قالت بهدوء :
نوال : والله ما ادري شو اقول .. وانا ما بيدي شي .. امي حرمه بالغه... وحره في تصرفاتها .. ولو اصرت على الزواج ما اقدر امنعها وو...
صرخ طارق بويها وقال :
طارق : لازم تمنعينها وبالقوه ... وانا مستعد ادورلها على ريل .. بدورلها على مواطن اماراتي ومن عائله كبيره ومن قبيله معروفه و ..
قاطعته نوال :
نوال : واذا اصرت على هالريال .. وانا بصراحه حاسـه انها تباه وما تبـى غيره .
طالعها طارق بنظرات مخيفه وعنيفه وقال :
طارق : ساعتها.... يا أنا.... يا أمج ..
فتحت نوال عينها وهيه تسأل :
نوال : شو قصدك ...
رد عليها بمنتهى القسوه والشده :
طارق : اقسم بالله.. اذا امج نفذت اللي براسها .. بتوصلـج ورقة طلاقج لعندها.. ..
اتفاجأت نوال بقوه .. وما حست الا وهيه طايحه على الكرسي واتصيح بمراره .. والدموع تنزل من عينها .. واختلطت الدموع مع مكياج ويها... واللي بعده موجود على خدها ... وبعد ما هدت شوي قالت :
نوال : هذي آخرتها ياطارق .. تبى اطلقني .. الحين عرفت انك ما تحبني..
رد عليها بحزم :
طارق : يا نوال انا احبك .. ومتسمك فيج .. لكن سمعتي واسمي فوق كل شي .. وما اسمح لحد ابدا ومهمن كان انه ايهز صورتي جدام الناس ...... انتي بيدج الحل .. من باجر الصبح او حتى الفجر سير لامج واقنعيها .. بالطيب او بالغصب لا زم تقتنع ..
مالقت نوال اي جاوب حاضر في ذهنا .. ولهذا حطت وجها بين كفيها وبدت تبكي بكاء مر ... واتفكر .... شو اتسوي ....
سعادتها بكفه ...
وسعادة امها بكفه ثانيه ...
شو تختار ...
****************
****************
في اليوم الثاني .. وعند الساعه عشر الصبح تقريبا .. كانت غايه جالسه في صاله من صالات فلتها الواسعة ... وماسكه بيدها البوم صور .. والالبوم.. واضح من شكله انه قديم ... وقديم وايد ... فتحت الالبوم .. وطلعت منه صوره قديمه .. صوره التقطت عام سبعين .. ركزت غايه اكثر بالصورة .. كانت الصوره تظهر غايه وهيه واقفه مع زوجها الاولي و لابسه ثوب جميل ...ومع ان الصوره كانت بالاسود والابيض الا انها متذكره تماما ان لون الثوب كان اخضر ..
.....واتذكرت بعد... انها اتصورت ها الصوره في صباحية العرس ... وفي العاده او اغلب الاوقات تلبس العروس الثوب الاخضر في الصباحيه في هذاك الوقت .. بينما تلبس بليلة العرس ثوب يسمى بـ ( الميزره ) او مرات ايسمونه ( اطلس ) وهو ثوب متعدد الالوان ... قبل انتشار موضة الفستان الابيض في الاعراس...
ركزت غايه بصورة زوجها ... ورجعت مره ثانيه تتطالع صورتها وهيه عروس صغيره ... كانت البراءه اتشع من وجها ... مسكت الصوره بقوه .. ولفتها لفه كامله .. وشافت على ظهرالصوره كلمات مكتوبه بحبر اسود .. صحيح ان الحبر جف ونشف بفعل الزمن .. لكن الحروف واضحه .. وكانت الحروف والكلمات اتمثل جمله مشهوره او بيت شعر شعبي معروف .. ينقال مرات في الاعراس وكان يقول :
يا معيريس عين الله تـــراك
.............................. القمر والنجوم تمشـي وراك
رددت غايه بيت الشعر السابق بأسلوب غنائي .. مره ومرتين وثلاث ....
و .. فجأه مسكت الصوره وحطتها بالالبوم .. ورمت الالبوم على الارض بقوه حتى انه زحف على الارضيه ووصل لآخر الصاله.. وقالت بصـوت مسمـوع ...
غايه : خلاص ... لون الصوره الابيض والاسود ... بيتحول لالوان يوم بتصور مع يوسف بيوم عرسنا ..و لكل الوان الطيف .. والثوب الاخضر والملون... بيتحول لفستان ابيض البسه ليوسف بليلة زفافنا ...
وصرخت غايه بصوت عالي ... واتردد صدى صوتها بكل انحاء الفله .. وسمعه كل الخدم وقالت ...
غايه : اليوم بدا عرسج يا غايه .. اليوم بدا عرسج الحقيقي ياغايه ... اذبحوا الذبايح... افرشوا الورود ..... طلعوا المداخن ... دقوا على الطيران .. انفخوا في الهبان ... غايه بتزف ليوسف ...
بتركلكم الفله باللي فيها .. حلال عليكم .. وبرجع مع يوسف ..
وبعيش ... هناك .. عند ساحل البحر القديم وراء التل الصغير .. بجزيرتنا الحبيبه .
كفاني صبر .. سنين وانا صابره .. سنين وانا ناطره ..
واليوم برجع معاك يا يوسف .. اليوم برجع معاك يا ........
وو.....
سمعت غايه صوت جرس الباب .. وكان يرن باستمرار بدون انقطاع .. وكأن اليد اللي ادوس عيله ملتصقه فيه .. والتفتت غايه حواليها ... وشافت الخدم متجعمين حولها باستغراب بعد صرخاتها الاخير ...
اتحرك واحد من الخدم وفتح الباب .. واول ما انفتح الباب .. دخلت نوال .. وآثار الحزن والدموع مغرقه وجها .. واتحركت ببطء .. وغايه اتشوفها باستغراب ... اتحركت ليما وصلت لمنتصف المسافه بينها وبين غايه .. ووقفت .. واطالعت امها بنظرات حزينه .. وتمت واقفه فتره طويله وعينها بعين أمها .. و... وفجأه ... ركضت نوال بكل قوتها .. وارتمت باحضان أمها .. وخرت بموجه حاره من الصياح والبكاء ... وغايه مستغربه ما عارفه شو اللي حاصل .. وبعد ما خلتها اتصيح واطلع اللي بخاطرها .. مسكت راسها براحه كفيها .. ورفعته فوق .. وقالت بصوت مدهوش ..
غايه : نوال ... شوفيج حبيبتي .. شو اللي مزعلنج ..
حاولت نوال تتكلم ، لكنها ما قدرت من كثر مالحزن كاتم على انفاسها .. وظلت فتره اتحاول .. وفي الاخير وبعد ما التقطت انفاسها قالت :
نوال : طارق يا امي طارق ..
صرخت غايه بصوت عالي :
غايه : شو فيه طارق ... صار له شي ..
وبصوت ممزوج بالدموع قالت نوال :
نوال : ما صار له شي .. بس طارق رافض نهائيا انج تتزوجين هاك الريال ..
استغربت غايه من كلامها وقالت بحده :
غايه : وليش يرفض .. وباي صفه اصلا يرفض .. لا هو ولي أمر ولا وصي علي ..
ردت عليها نوال بصوت مبحوح :
نوال : طارق رافض ، لان الريال هذا.. ما عنده جنسيه .. ويقول ان جنسية الريال الحاليه عــار عليه وعلى عيلته كلها ...
صرخت غايه وهيه اتقول :
غايه : عــار .. ريلج ايسمي يوسف عار .. ريلج ما يسوى الارض اللي يمشي عليها يوسف ... انا ما عليه منه .. انا حرمه بالغه وادرى بمصلحتي وحره بتصرفاتي ..و
قاطعتها نوال وهيه اتقول بمراره :
نوال : يا امي... طارق حلف .. ان اتزوجتي ها الريال بيطلقني .. اتصوري يا اميه بيطلقني .. بيطلقني وولده يتحرك في احشائي .. بيطلقني ...
وخرت نوال في موجه طويله من الصياح ..
وانتفضت غايه بكبرتها من هول الصدمه ... وما عرفت شو اتقول .. ولا كيف اتفكر ... ولا شوه اتسوي ... ظلت فتره طويله ساكته وهيه شارده واتفكر واتقول في خاطرها :
سعادتها مقابل سعادة بنتها ....
شو تختـــار ...
مو معقوله ادمر حياة بنتها واتيتم ولدها وابوه حي...
لكن ...
معقوله كل شي ينتهي ...
معقوله الحلم يتحطم مرتين ... في الماضي ....والحينه في الحاضر .... ويدمر معاه كل المستقبل ..
واستمرت غايه في صمتها ودهشتها .. وكل الموجودين يطالعونها ... بنتها والخدم .. يطالعونها بنظرات دهشه ... واتلفتت غايه حواليها وبكل الاتجاهات.. وظلت اتبحلق بوجوه الحاضرين وهيه ساكته ... كانت رافعه ايدها واتأشر على السانها .. كانها اتقول .. الحقوني .. ما قادره انطق ... الساني انشل.....الحقوني بموت من الغصه والقهر ..
ولما شافت نوال ها المنظر وامها اللي ما قادره تنطق حرف واحد صرخت باعلى صوتها وقالت :
نوال : الحقوا امي ... يما ... شو فيج ...
وما جاوبتها غايه الا بطيحه عنيفه على الارض من شدة الالم والقهر ...
************************
************************
في نفس هاليوم .. وعند الساعه خمس العصر بالتحديد .. كانت غايه قاعده مع يوسف في نفس المكان اللي التقوا فيه ثاني مره .. في الدور العلوي من المحل ، واول ما قعدوا بدا يوسف بالكلام وقال بكل لهفه وفرح :
يوسف : خلاص يا غايه .. انا رتبت كل شي ..بيسمحولج بدخول الجزيره ..
وانا خبرت حسن ايزهب بيتي اليديد في الجزيره .. صحيح انه مو مثل فخامة بيتك .. لكنه بيكون عامر بالحب والسعاده انشا الله ..
خلاص يا غايه .. تحقق حلمنا .. وبنلتقي مرها ثانيه .. هناك .. وراء التل الصغير عند ساحل البحر القديم ...وو
لحظتها بس لاحظ ان عيون غايه حمر مثل الجمر .. وكأنها صايحه سنين طويله ... ولاحظ انها ساكته طول الوقت .. وويها شاحب والحزن واضح عليها .. ومع انها حاولت تخفي حزنها الا ان الدمعه اللي سالت من عينها فضحتها ...
وسكت يوسف بعد كلمته الاخيره وتم فتره صامت وهو يطالع عيونها وبعدها قال :
يوسف : غايه .. شو فيج .. ليش عيونج محمره .. انتي تعبانه لا سمح الله ..
ما ردت غاليه .. وظلت ساكته ودموعها ما توقف .. وعشان جذيه قال يوسف بانفعال :
يوسف : غايه شو فيج ..ردي علي الله ايخليج ..
واستمرت غايه في سكوتها وصمتها ... لكنها في الآخر اتكلمت وبصوت هادي و يحمل كل معاني المراره وقالت :
غايه : يوسف .. طلعتلنا مشكله كبيره ... مشكله بتعيق زواجنا ..
شعر يوسف برجفه عنيفه اتهز اطرفه .. وقال بانفعال شديد :
يوسف : مشكلة شوه ...
وبدت غايه ترويله كل اللي صار .. وبكل التفاصيل ... واول ما انتهت من كلامها .. سكتت ... وانتظرت الرد من يوسف ... وانتظرت وقت طويل ويوسف جامد مكانه مثل الثلج ما يتحرك ... ولما شافت حالته قالت غايه :
غايه : يوسف .... ما سمعت ردك ..
ومثل ما ردت عليه غايه في الماضي و قبل ربع قرن بدمعه فرح يوم طلبها للزواج .. رد عليها بدمعة الم وحزن ... وقال بمنتهى الضيق والكدر ..
يوسف : يا سبحان الله ... في الماضي وقبل ربع قرن كان أهلي رافضين زواجنا ومستعرين منج ... واليوم أهلج هم الرافضين ومستعرين مني ..
ردت عليه غايه وهيه اتكرر نفس السؤال السابق :
غايه : شو رايك في الموضوع .. ما عندك حل ..
جاوبها يوسف بأسى :
يوسف : الموضوع ما يحتاج راي .. مستحيل نبني سعادتنا على تعاسه غيرنا .. خصوصا لو كانت بنتج .. اللي بمقام بنتي ... وهم اصغر منا ومن حقهم ايعيشون الحياه اللي انحرمنا منها ..
و .. فجأه... انفجرت غايه بالصراخ .. وكأنها اتحاول اتـزحـزح جبل من الحزن كاتم على انفاسها .. وبدون ادني وعي ولا ادراك قالت :
غايه : ليش ها العــذاب كله .. احنا شو سوينا في دنيانا عشان ربـي يعذبنــا طول عمرنا و ..
قطع يوسف كلامها بمنتهى السرعه وقال :
غايه : الله ايهديج ياغايه هذا كلام ينقال ... لازم نرضى بقدرنا حتى لو عشنا طول عمرنا بعــذاب .. ومنو يدري يمكن ايكون العذاب رحمة فينا... ولا تنسين قول الله تعالي في كتابه الحكيم (( إن تعذبـــهم فإنهم عبــادك وإن تغفـرلهـم فإنـك أنـت العزيــز الحكيــم )) صدق الله العظيم ...
سكتت غايه على طول بعد سماعها لها الايه .. وتمت اتفكر .. وقالت بصوت هادي وكأنها ما صرخت قبل شوي ..
غايه : وشو الحل ..
ما رد عليها يوسف .. لانه كان مشغول بالتفكير .. على وعسى انها ايحصل أي حل و ..
صرخت غايه مره ثانيه .. لكن ها المره كانت صرختها صرخة فرح .. الصرخه اللي خلت يوسف ينتفض في مكانها ويسألها :
يوسف : غايه شو فيج فرحتي مره وحده ..
جاوبته غايه والفرحه تارسه ويها :
غايه : خلاص يا يوسف لقيتها ... لقيت الحل .. الحل الوحيد .. الحل الأخيـــر.
رد عليها يوسف باستغراب :
يوسف : .. الحـــــــل الاخيــــــر ..
ردت عليها غايه بثقه :
غايه : هيه يا يوسف.. الحل الاخيــر ..
الحـــل الاخيـــر....
******************
******************
بدت غايه تروي تفاصيل ها الحل اللي سمته ( الحل الاخير ) فقالت :
غايه : اسمعني يا يوسف .. انته اكيد عندك وثائق تثبت انك مولود في الجزيره .. اضافه الى انك من قبيله كبيره ومعروفه هناك .. وانا من خلال معارفي بحاول اطلعلك جوازوجنسية الامارات.. بس في البدايه لازم اتقيم في الامارات فتره طويله شوي و ..
قاطعها يوسف وقال :
يوسف : انا ها الشي اديبه من زمان..
قالت غايه باستغراب :
غايه : تدريبه ..
وبهدوء قال يوسف :
يوسف : هيه ادري .. عمي هاجر للامارات من يوم الاحتلال .. وقال لي اكثر من مره .. تعال اسكن في الامارات وبطلعلك جنسيه وجواز بعد فتره و..
سألته غايه باهتمام :
غايه : عيل ليش ما سكنت هنيه وطلعت جواز ..
يوسف : يا غايه .. لو طلعتلي جواز وجنسيه ما بقدر ادخل لارضي في الجزيره .. وانا ما اقدر استغنى عن ارضي .. الارض اللي انولدت فيها .. الارض اللي شفتج فيها .. الارض اللي لعبت معاج فيها... الارض اللي حبيتج فيها .. الارض اللي التقيت معاج فيها .. وفارقتج فيها .... وبنلتقي انشا الله مره ثانيه فيهـــا ..
ما اقدر افارق المكان اللي حبيتج فيه .. هناك .. وراء التل الصغير عند ساحل البحر القديم ..
كيف بنحس بطعم الحب واحنا غريبين عن ارضنا الاصليه...، وانا كنا عايشين على ارضنا الام الامارات .. ما اقدر صدقيني ما قدر...
حست غايه بخيبة أمل ويأس فظيع وقالت وهيه منزله راسها للارض :
غايه : كل الطرق والابواب مسدوده بويهنا ..
رد عليها يوسف بهدوء وبصوت واطي :
يوسف : الا... باب الأمل ..
سألته غايه وهيه مندهشه :
غايه : شو قصدك ..
سكت يوسف وقعد يفكر لحظات طويله قبل لا يقول :
يوسف : شوفي يا غايه .. ماشي غير حل واحد بس .. حل ماله بديل ....
الحــل الاخيـــــر ...
قالت بدهشه :
غايه : الحل الاخيـــر ..
جاوبها يوسف :
يوسف : هيه نعم .
سالته بكل لفهة الدنيا :
غايه : ... وشو الحل الاخيـــر ...
صمت يوسف فتره اطول ... وكأنه يستجمع كل قواه النفسيه عشان ايقول ... ايقول الحــل الاخيــر ... وقال :
يوسف :... ما شي حل .. غير ان الجزيره ( طنب ) ترجع لسيادة وسلطة دولة الامارات .. وفي ها الحاله بترجعلي جنسيتي الاماراتيه بحكم الوثائق اللي عندي ، وبترجعين انتي للجزيره ، وبنقدر انعيش على جزيرتنا بكل حريه وسعاده وحب وحنان ... وبنلتقي مره ثانيه .. هناك .. وراء التل الصغير عند ساحل البحر القديم ...
صرخت غايه من اعماق قلبها وقالت وهيه في قمة دهشتها:
غايه : انته شو اتقول يا يوسف ... هذا هوه الحل الاخير .. يا يوسف رجوع الجزيره مب بايدنا .. مب بايدنا ..
وبحزن عميق رد عليها يوسف :
يوسف : صدقيني يا غايه هذا هو الحل الاخيـــر .
قالت غايه وهيه بقمة اليأس والاحباط :
غايه : يا يوسف .. احنا ماندري متى بتتحرر الجزيره .. يمكن يوم او شهر او سنه ..او عشرين سنه .. ومابقى في العمر كثر اللي راح .. ويمكن انموت قبل لا نشهد ها اليوم و..
قاطعها يوسف وقال بحنان :
يوسف : حتى لو كان لقاءنا هناك.... في اليوم الاخير من حياتنا .. بننتظر على أمل قدومه .. وبنعيش هاك اليوم بحب وسعاده .. هناك .. على ارضنا ...هناك . وارء التل الصغير عن ساحل البحر القديم ....
قالت غايه وهيه حاطه كفيها على وجها.. ويأسها قد بلغ مداه :
غايه : كلما اقتربت خيوط الفجــر المنتظــر من عيونا .. نتفاجأ بليل أطول ...
ليـل طويل .. ما بعده فجر ولا نهار ...وبنظل.. طول عمرنا ساكنين في ظلام الليل و ..
قاطعها يوسف وهو يقول آيه قرآنية :
يوسف : (( ولـــه ما ســكن في الليل والنهار وهو السميع العليم ))
سكتت غايه بعد ها الآيه ... وبعدها قالت بمنتهى الاحباط ..
غايه : يعني هذا هو الحل الاخير ..
جاوبها يوسف بكل ما في قلبه من آسى....
يوسف : هذا هوه الحــل الاخيــــر .
****************
****************
وفي اليوم السابع .. موعد مغادرة يوسف لدبي ...باتجاه أرض الجزيره .. كانت غايه في انتظاره ... ووداعه .. على أمل لقائه ... لكن... متى .. بعد يوم.. او سنه او سنين او ... او لا لقاء بعده ......
واللقاء مرهون بعودة ارضهم لاحضان الوطن .. ولكن ... متى بتعود ... الله وحده اعلم ...
وقبل الرحيل ..وقفت غايه بالقرب من يوسف .. وقعدت اتملي عينها منه ... ويملي عينه منها .. وبنفس اللحظة اللي انزلت دمعه حاره من عين غايه انزلت دمعه أحر من عين يوسف في توافق شعوري عجيب .. وبنفس اللحظه اللي امتدت يد يوسف لتمسح دمعة غايه امتدت يد غايه لمسح دمعة يوسف في توافق حسي أعجب ...
وانطلق يوسف باتجاه الجزيره .. واول ما وصلها اتوجه مباشره هناك .. صوب التل الصغير عند ساحل البحر القديم .. وشاف صورة غايه محفوره على امواج البحر .. واوراق الشجر ... وعلى صفحات القدر ...
ومن يومها ... ويوسف يتوجه يوميا لنفس المكان.. هناك.. وراء التل الصغير عند ساحل البحر القديم و ينتظر غايه .. وينتظر.. تحقق الحل الاخير ...
ولغايه ها اليوم الموافق الثاني والعشرين من شهر سبتمر عام الفين وثلاثه.. أي بعد ثمان سنوات من لقاء يوسف مع غايه الاخير في دبي ، بسنة خمس وتسعين ... ولغاية كتابة آخر سطر من سطور ها القصه ... لا يزال يوسف موجود .. هناك .. عند ساحل البحر القديم ووراء التل الصغير ينتظر الحــل الأخيـــر ...
ويتمنى يوسف من كل اللي قرأوا قصته انهم يدعون و بقلب صادق من أجل عودة غايه معاه لارض الجزيره ... وجمع شملهم مره ثانيه ..
وقبــــــل هـــــــذا ...
يتمنى منكم .... ومن كل أماراتـــــي مخلص .... دعوه اصـــدق... نابعه من أعماق القــــلب ... دعــوه ... بعودة أرض الامـــارات ( طنب ) الى أحضـــان الامارات .....
انتهـــــــــت القصه ....
صوره لطنب الكبرى .. وموقعها بالنسبه للامارات وصورة الشيهد (( سالم سهيل خميس ))
بقلم حارس الارواح
بمنطقه بعيده ، و بجزيره بوسط الخليج العربي ، .... كانت هناك وما تزال جزيرة تسمى ( طنب الكبرى ) ..
وفي هذا اليوم الموافق للعشرين من شهر اكتوبر لعام الف وتسعمائه وسبعيـن ( 1970 ) ...
وقف يوسف بالقرب من ساحل البحر ، .. وكانت سواحل ها الجزيره ممتده امتداد كبير على شواطيء الخليج العربي .. من ( راس صنقور ) شرقا.. ولغايـــة ( راس الجناه ) غربا ،... والمنطقة اللي يتواجد فيها يوسف هيه منطقة ( راس الجناة ) على الطرف الغربي من الجزيره ...
كان يوسف واقف وراء تل صغير وبالقرب من ساحل البحر ، وكان يراقب مجموعه من البنات الموجودات على الساحل . ...
وكانت البنات تتواجدن في ها لوقت بشكل شبه يومي ، و هدفهم معروف طبعا وهوه غسيل الثياب في البحر قبل تحليتها بالماي الحلو بعدين ، ... مثل ما متعارف عليه في هذا الوقت ... وفي هاي الجزيره.
كان الساحل يضم مجموعه كبيره من البنات ، لكن انظار يوسف ما كانت اتشوف الا بنيه وحده بس .... هيه... غايـــه ..
واستمر يوسف و لفتره طويله وهوه يطالعهم ... بالرغم من أن هالفعل يعتبر بعرفهم عيب وفعل منبوذ .. وهالمكان بالذات مخصص اصلا للحريم ... وبالتالي فان وقوفه هنيه يتنافى كلية مع عاداتهم وتقاليدهم ودينهم ..
واثناء ما كان نظره شارد باتجاه غايه ..شعر بيد انسان تضرب على كتفه برفق.. ولما التفت خلفه ، شاف صديقه حسن يطالعه بنظره عتاب وهوه يقول :
حسن : يا يوسف ، كم مره قلتلك ، عيب تتطالع الحريم ، افرض حد شافك هنيه شو بيقول ، وبعدين لا تنسى انك ولد شيبان اكبر تاجر في الجزيره .. يعني شخصيه مهمه في الجزيره كلها ، ولازم اتكون حريص على حرمة بنات المنطقة مب اول من ينتهكها .
ابتسم يوسف وقال بلهجه هاديه :
يوسف : ومنو قالك اني واقف اتطالع البنات .
استغرب حسن من كلامه وقال :
حسن : عيل ... شو قاعد اتسوي ..
يوسف : صحيح ان نظري صوب الكل .. لكن العين ما تشوف غير وحده بس ... شوفتها اتغطي على كل نساء البشر .
بدت ملامح الدهشه واضحه على ويه حسن وهوه يقول :
حسن : يوسف ... شو قصدك .... لا تقولي حبيت ...
ابتسم يوسف من كلام حسن وقال :
يوسف : وشوفيها اذا حبيت ... لا هو عيب ولا حرام ...
حسن : انا ما اقصد جذيه .. بس انته اتعرف عاداتنا .. الحرمه ما انشوفها الا يوم الدخله.. اما سالفة الحب والهيام .. فمالها وجود الا بقصص العشق والغرام .
اتحرك يوسف من مكانه وقال بصوت هادي :
يوسف : يا حسن ، الزمن اتغير ، واحنا الحين في بداية السبعينات ، واللي كان ممنوع بالامس ، اصبح مسموح اليوم .
سكت حسن ثواني قبل لا يقول :
حسن : .. والله ماادري ... بس منو هاي اللي سرقت قلبك وتكفيرك ومتى ...
التفت يوسف اتجاه البحر وقال بصوت خافت :
يوسف : بجاوبك على الجزء الاخير من سؤالك ... متى .... وبقول .. من زمان ، من يوم ما كنا صغار .. كنا نقعد مع بعض .. نضحك مع بعض .. كنا دايما نقعد على البحر ونلعب كل الالعاب اللي انحبها ... كنت يوميا اقعد على البحر وانتظرها .. وعمري ما مليت من انتظارها .. سواء اشفتها..... ولا ما شفتها ...
بدت علامات الدهشه على حسن ومن ثم قال :
حسن : هيه بس البنت الحين اكبرت ، وما يجوز اتشوفها ...
يوسف : كم اتمنيت لو ظلينا صغار ...
قاطعه حسن وهوه يقول :
حسن : انزين .. قولي .. ليش ما اتعرس ابها ، انته الحين كملت 18 سنه وبلغت سن الرشد ، وابوك ما عليه قاصر ، ابوك ما شاالله عليه اكبر تاجر في الجزيره نفسها.. وما بيقصر على ولده بشي .
قال يوسف وصوته يحمل نبرة حزن :
يوسف : هنيه أساس المشكله.... انه اكبر تاجر .
قال حسن بدهشه :
حسن : هاااه ؟! كيف يعني ما فهمت ..
جاوبه يوسف بصوت يقطر مراره بقوله :
يوسف : خايف يرفض ..
حسن : وليش يرفض ... انته طالب منه شي غلط .
يوسف : انا ما قلت جذيه .. انا خايف يرفض البنيه لذاتها .
حسن : ليش ؟ّ! .. البينه فيها شي يعيب .
يوسف : بالعكس .. البنيه ماشاالله عليها ، ستيره ... طيبه ... دينه .. واخلاقها عاليه ..
حسن : عيل شو المشكلة ..
يوسف : انا اعرف ابوي زين .. اتعجبه المظاهر وايد .. ودايما ايقولي يوم تتزوج .. انا بدورلك على بنت العز.. ومن أكبر العائلات وأغناهم على الجزيرة ..
سكت حسن ثواني قبل لايقول :
حسن : أفهم من كلامك ان البنيه فقيره .
يوسف : هيه .. ومب ذنبها انها فقيره .. الغنى والفقر بيد الله .
تردد حسن قبل لا يقول :
حسن : امم .. يوسف ... انا بسألك عن شى .. بس لا تزعل مني .
يوسف : أفا عليك يا بوعلي ، انته اكثر من اخوي .. ومتربي وياي من زمان .
حسن : تسلم يا الغالي .. يعني بغيت اسأل .... اذا ها السؤال مايضايقك .. آآآ .. منو ها البنية ..
ابتسم يوسف وهوه يقول :
يوسف : هذا مب سر ... البنيه هيه غايه ..
حسن : غايه !! أي غايه .
يوسف : غايه بنت عبيد السماج ..
وبدهشه كبيره قال حسن :
حسن : غايه بنت عبيد السماج .... معقوله يا يوسف ... بنت السماج عاد ..
يوسف : ليش .. شو فيها ..
حسن : ما فيها شي .. بس ابوها ريال وايد فقير .. على الله وعلى ها السمج اللي ايصيده من البحر ..
يوسف : وشو فيها اذا كان سماج .. اكثر اهل الجزيره عايشين على خير البحر ..
ارتفع صوت حسن وهوه يقول :
حسن : انا ما قلت شي .. بس ها الريال.. ريال مريض ، وماعنده غير ها البنيه ، بعد ما اتوفت زوجته قبل سنين .. وفي اوقات كثيره ما يقدر يطلع البحر .. ولولا رحمة الله اولا وجيرانه الطيبين ثانيا ، شان ماادري شو بتكون حالته ... هذا ما لاقي ياكل يا يوسف ..
رد عليه يوسف بصوت أعلى :
يوسف : وشو ذنب هاالريال وذنب بنته ، اذا الله تعالى كتبلهم ها العيشه في الدنيا ... وما تدري يمكن الله بعد الشده يرزقهم ويغنيهم..والله على كل شيء قدير .
حسن : والله ما ادري .. بس تبى الصدق .. وحسب ما أنا اشوف صعب وايد، اذا ما كان مستحيل ان ابوك ايوافق ...
يوسف : الله ايعين .
حسن : وبعدين انته يا يوسف .. يعني.. شو اقولك .. قلت البنات في الجزيره .. عشان تختار ها البنيه بالذات .. ليش ما تختار بنت عائله كبيره .. ومعروفه .. اتشرفك ويرضى ابوك عنها ..
قال يوسف بمنتهى الحزم :
يوسف : عاد القلب اختار غايه ... وما يشوف في العالم غيرها ...
حرك حسن ايده بانفعال وقال :
حسن : قلبك هذا ما وراه الا المصايب ...على العموم خلنا انروح بسرعه قبل لا احد ايشوفنا في ها المكان وتستوي مشكله .. انته اتعرف زين طبع اهل الفريج .. حارين .. ما يرضون حد يشوف حريمهم ..
يوسف : يا الله سرنا عيل ..
حسن : يا الله .
*********
في اليوم الثاني .. وقف يوسف بنفس المكان .. وراء التل الصغير عند الساحل وعينه على البحر .. وباتجاه انسانه وحده بس .. غايه .. ما قدر يصبر ولو يوم عن شوفتها ..
كانت الحريم والبنات اتغسلن الثياب بنشاط واضح .. ومع الغسيل كانت السوالف شغاله .. والبنت او الحرمه اللي اتخلص شغلها تتريا جماعتها ليما ايخلصن . او تتريا ربيعه من ربيعاتها على الأقل .. أو في حالات نادره ترجع بروحها اذا كان شغلها وايد ...
بعد مرور وقت مب قصير من بداية ها الغسال .. تناقص عدد البنات بالتدريج ... وما بقى على الساحل الا بنتين بس ... موزه وغايه .. وكان لسان موزه مثل امواج البحر اللي ما تسكن ولا توقف ولو دقيقه .. ومن ضمن ما كانت اتقول :
موزه : اف .. تعبت .. ظهري انكسر .. شاني مغسله ثياب فريج كامل ..
ابتسمت غايه وهيه اتقول :
غايه : الله ايعينج ، الطشت ( الكعد ) مالج ما فيه غير الربع واتقولين تعبانه ..
وبصوت مبحوح من كثرة التعب قالت موزه :
موزه : ها الربع هد حيلي ، وما خلى فيني شده .... بس انا صراحة مستغربه منج وايد يا غايه ..
قالت غايه في اهتمام واضح :
غايه : ليش ؟!
موزه : انتوا في البيت اثنينه بس ، انتي وابوج .. وانا يوميا اشوفج شاله كعد متروس ثياب ، .. وين اتيبين ها الثياب كلها ؟!
ابتسمت غايه وهيه اتقول ..
غايه : اكيد طبعا.... مب كلها ثيابنا ..
موزه : ثياب منو عيل ..
غايه : أنا كل يوم وبعد ما تطلع الشمس ، أمر على بيوت الفريج ، واللي تباني اغسلها ثياب بيتها ، آخذها منها .. وتعطيني المقسوم .
قالت موزه بعد ما خفت دهشتها :
موزه : بس جذيه تعب عليج... تعب وايد ..
قالت غايه بصوت حزين :
غايه : شوأسوي يا موزه .. أنتي ادرى بحالتنا .. ابوي ريال فقير ومريض وما يقدر يطلع البحر كل يوم وانا احاول اساعده باللي اقدر عليه .. صحيح ان عيال الفريج الطيبين ما يقصرون ..لكنهم في النهايه على قد حالهم ، ومايصير انثقل عليهم ...
موزه : الله ايعينج يا غايه .. الحياه صعبه ...
غايه : الله كريم .
موزه : الله يرزقج بريال طيب ، يريحج ويخفف عنج ..
ابتسمت غايه وهيه اتقول :
غايه : قصدج يحبني ويغرقني بحنانه ..
ضحكت موزه وهيه اتقول :
موزه : حب ... ادورين على الحب .. الحب هذا مانسمع عنه الا في القصص .. البنت ما تشوف ريلها الا ليلة العرس واتقولين حب ..
غايه : كل شي يتغير يا موزه و ..
قاطعتها موزه وهيه اتقول :
موزه : الا تفكير اهالينا وعقدهم .
غايه : يجوز .
سكتت موزه فتره قبل لا تمازح غايه وتسألها :
موزه : انتي ما جربتي اتحبين ؟
غايه : كنت ومازلت أحب ..
استغربت موزه من كلامها وقالت :
موزه : قولي والله .. انا كنت اسولف وياج يوم سألتج ها السؤال .
ابتسمت غايه وقالت :
غايه : وانا ما اسولف يوم جاوبتج .
موزه : ومن متى ها الشي .
غايه : من سنين .
فتحت موزه عينها وهيه اتقول :
موزه : من سنين ؟! اللي يسمعج ايقول هذي بنيه عمرها فوق العشرين ، مب شانج من اسبوع واحد مكلمه 16 سنه .
غايه : انا قصدت من يوم ما كنا نلعب في الفريج واحنا صغار ، صحيح اني ما اتذكر شكله الحينه بعد ماكبرنا .. لكن حبه مزروع بكياني كله ..
ضحكت موزه بخبث وهيه اتقول :
موزه : يعني أنا اعرفه .
غايه : أكيد .. وكل اهل الجزيره ايعرفونه ...
سالت موزه باهتمام :
موزه : منو قصدج ..
غايه : يوسف ..
موزه : أي يوسف ..
غايه : يوسف ولد شيبان ..
اتفاجأت موزه لدرجه ان الثياب طاحت من ايدها وقالت :
موزه : يوسف ولد شيبان ؟! انتي شو اتخبلتي .. انتي وين وهم وين .. هذيل ناس فوق ، ابوه اكبر تاجر في الجزيره ...ربع البيوت وعقارات الجزيره ملكه ، معقوله يوسف بيودر بنات العز والقبايل الكبيره ، وبيطالعج انتي ... انتي اللي ما لاقيه لقمه تاكلينها ... واسمحيلي على كلامي بس هذي هيه الحقيقه ..
نزلت غايه عينها للارض وهيه اتقول :
غايه : انا عارفه ها الشي زين .. وادري انه مستحيل ايفكر مجرد تفكير فيني .. لكن شو اسوي.. حبه في قلبي.. وما قادره اطرده ...
موزه : وشو بتستفيدين من ها الحب .
غايه : على الاقل اعيشه ... وان كان مجرد حلم ..
موزه : صدقج .. الفقراء ما يملكون الاحلام ..
ومع آخر كلماتهم.. انتهت موزه نهائيا من غسل الثياب ولحظتها قالت :
موزه : انا خلصت غسال اليوم .. انتي بعدج مطوله ..
غايه : هيه والله مطوله شوي .. بس انتي برايج روحي .. انا بخلص وبرجع بروحي ..
موزه : ما يصير اخليج بروحج ..
غايه : لا تخافين .. البلاد أمان .. وبيتنا جريب ..
موزه : انزين ما عليه.. بخليج الحين .. بس لا تتأخرين ...
غايه : انشا الله ...
وراحت موزه وماظل على ساحل البحر غير غايه ..
وعلى بعد امتار بسيطه ، كان يوسف مازال واقف وراء التله الصغيره ويراقب المكان ، ولمح موزه وهيه اتغادر المكان.. وهذا معناه أن غايه موجوده الحين بروحها ...
فكر يوسف انه يتجرب منها ويكلمها .. لكنه اتراجع في آخر لحظه .. لانه ايعرف تماما ان ها الفعل يعتبر في عرف الحي عيب او حتى جريمه ... ولو لمحهم أي من المارة بتكون أشبه بالفضيحه اللي تتحمل مسؤوليتها البنت قبل الريال ...
لكن .. الشوق كان أقوى ... ولهذا شعر يوسف برغبه شديده وحس بجرأه عجيبه مصدرها الحب الساكن بقلبه ... حب غايه ..
واتجرب منها اكثر واكثر ..
وفي ها الاثناء كانت غايه اتغسل الباقي من الثياب ، وكان ويه غايه مواجه البحر ، ...والكعد وراها .. واتجرب منها بهدوء ليما صار وراها وخلف ظهرها تماما وبدون ما تحس فيه .. وظل يطالعها وهيه اتغسل .. واول ما خلصت غسال الثياب اللي في ايدها .. رفعته من الماي والتفتت وراها عشان اتحطه في الطشت ( الكعد ) .. واول مااستدارت للخلف.. اتفاجأت بيوسف واقف وراها .. وعلى طول فرت كل اللي في ايدها من ثياب ... وحطت ايدها على صدرها وصرخت بويهه وهيه اتقول ..
غايه : انته ما تستحي ...
ابستم يوسف وهو يقول :
يوسف : انتي الوحيده اللي ما استحي منها ابدا ..
كان الخوف واضح على ويه غايه وهيه اتقول :
غايه : انته منوه وشو تبى ..
يوسف : ما اسرع ما نستيني .. مب كأنا لا عبين مع بعض قبل سنين بسيطه .. انا يوسف.... يوسف بن شيبان ..
حست غايه برعشه بكل شعره بجسمها يوم سمعت اسمه .. لكنها تابعت :
غايه : الله ايخليك روح الحين .. اذا حد شافنا بتصير مصيبه ..
يوسف : انا ما صدقت اني اشوفج واكلمج واتقولين روح ..
غايه : ابوس ايدك روح الحينه .. المكان مكشوف .. وانا بنيه .. و
قاطعها يوسف وهو يقول :
يوسف : ما بروح الا بشرط ..
كانت غايه في قمة ارتباكها وعشان جذيه قالت :
غايه : أي شرط الحينه .. قول بسرعه اللي تباه ..
يوسف : اليوم بعد المغرب ابغي اشوفج وراء النخل الجديم ..
فتحت غايه عينها وهيه اتقول :
غايه : انته شو اتقول انا ما اقدر اسوي ها الشي .. ما اقدر .. ما اقدر ..
يوسف : على كيفج .. بتم قاعد هنيه ليما اتوافقين ..
كان الموقف صعب وايد على غايه ، وخوفها خلاها اتقول ليوسف :
غايه : انزين خلاص , روح الحين الله يخليك ..
يوسف : يعني بتيين اترياج .
ردت غايه بسرعه :
غايه : هيه .هيه .. بس روح .
ابتسم يوسف وهو يقول :
يوسف : انشا الله ، انا على الموعد ، اشوفج على خير ..
واتحرك يوسف بخطوات سريعه وهو يبتعد عن المكان ، وساعتها حست غايه بارتياح كبير ، واتلفتت حواليها خوفا من وجود أي حد يشوفهم ، ولما اتأكدت من خلو المكان زاد ارتياحها ، واتحركت مباشرة الى البيت وهيه ما مصدقه اللي صار .. يوسف بنفسه كلمها .. صحيح انها ما قدرت اتكلمه بسبب حساسية الموقف .. لكنه على الاقل فكر فيها واتجرب منها ...
وطول ما هي ماشيه في دربها لبيتها ، وهيه اتفكر .. اتفكر بكلامه الاخير ، وهوه انه يبى ايشوفها اليوم بعد صلاة المغرب وراء النخل القديم ..
وقالت في نفسها : لما قالي تعالي ،... انا وافقته عشان يبتعد عني ويخليني بحالي لا اكثر ... لكن الحين انا حاسه عمري منجذبه لها الموعد ...
لكن .. معقوله اتقابله بعد المغرب في مكان منعزل وراء النخل ... لو حد لمحهم بتكون مصيبه ..بتضيع سمعتها للابد .. واهل الفريج ما يرحمون البينه اللي تلقي نظره على الولد فما بالك اذا قابلته واختلى فيها بمكان مهجور .. بتصير فضيحه لها ولابوها ولكل اهل الفريج مجتمعين ..
يوسف ريال وابوه معروف وما بيتأثر وايد .. لكنها هيه... الانسانه الفقيرة شو بيكون مصيرها ...
صراع فظيع دار ما بين عقل غايه .. وقلبها .... لكنها في النهاية اختارت عدو الحرمة الاول .. اويمكن حبيبها... وهوه.. قلبها ...
كانت فعلا مخاطره ... وعشان جذيه قررت في اعماق نفسها انها تنهي المقابله باسرع وقت ممكن .. لا .. وبتحمل معاها قطعه حديد واتخشها بثوبها خوفا من حدوث شي غير متوقع ...
ومضى النهار وغربت الشمس واقترب الموعد .....
**********
وبعد صلاة المغرب كانت غايه تتحرك ببطء وهيه قي قمة خوفها ، ولما وصلت للنخل ،.. ما شافت يوسف.. وعشان جذيه قالت في نفسها وبصوت مسموع :
غايه : يوسف وين سار.. ليش اتأخر .
ما وعت غايه الا بصوت من وراها ايقول :
يوسف : وانا اقدر اتأخر عليج ..
التفتت غايه لوراها ونزلت عينها للارض وحست برجفه في كل جسمها وهيه اتقول :
غايه : يوسف متى ييت ..
ايتسم يوسف وهوه يقول :
يوسف : من زمان .. بس انتي ما حسيتي فيني .. وانا حسيت فيج .
استمرت الرعشه والارتجاف في كل شعره من جسم غايه ، وبصوره واضحه وعينها متركزه على الارض... وهيه اتقول ..
غايه : اسمع يا يوسف .. انا يايه هنيه بس عشان اقولك.. مره ثانيه لا تلاحقني وتوقف في طريجي .. انزين .. ولا تتحراني بنيه فارطه وقاعده اركض واراك ، انا بنيه شريفه وكرامتي واحترامي فوق كل شي ... حتى لو كنت يوسف بن شيبان ولد اكبر تاجر بالجزيره .
لاحظ يوسف ارتباكها ورجفتها ، وعينها اللي ما ارتفعت من على الارض ، فقال :
يوسف : انا ما بطول عليج ، كلمتين وبتسيرين في حال سبيلج ..
قالت غايه بصوت متقطع :
غايه : قول بسرعه .. وقفتنا هنيه اكبر غلط ..
قال يوسف بصوت حنون :
يوسف : كل اللي اباه منج ..... إنتي ...
ارتجفت غايه بكبرتها يوم سمعت ها الكلمه وطلعت الحديده من ثوبها وقالت بانفعال :
غايه : شو تبى مني ... اسمعني زين .. انا اذبح عمري قبل لا اتمس شعره من جسمي ..
ابتسم يوسف وقال :
يوسف : انتي فهمتيني غلط .. انا ابى منج قلبج ، و على سنة الله ورسوله ،.... لكن في البدايه ابي اتأكد منج شخصيا .. اذا كنت فعلا استاهل خفقه وحده من قلبج ...
ما صدقت غايه اللي قاعده تسمعه ..
معقوله ..
يوسف اللي كان مجرد حلم .. يطلبها بنفسه ....و
مرت لحظات صمت قبل لا يقول يوسف بصوت خافت :
يوسف : هاه .. قولي .. موافقه علي .. ولا عندج راي ثاني .
ولأول مره من بدايه لقاءهم هذا ، رفعت غايه عينها من الارض ، وركزتها بعين يوسف ..
كانت تبى تصرخ او حتى تنفجر واتقوله هيه... انته الحلم يا يوسف... انته الحلم اللي ما فكرت بيوم يتحقق ...
حاولت اتقوله شي .. لكنها ما قدرت .. يمكن حيائها منعها .. او المفاجأه شلت السانها .. وما جاوبته الا بدمعه حاره من عينها ... دمعه فرح اليمه نزلت من عين ها الانسانه المسكينه... وكانت ها الدمعه ابلغ من أي كلام او حتى جواب ...
مزيج غريب من المشاعر حست فيه غايه بها اللحظات .. الخوف والفرح والدهشه والدموع والسعاده ....
وبابتسامه عريضه على شفاه يوسف ، وبنبرة فرح واضحه على صوته قال :
يوسف : هالدمعه الغاليه..... ابلغ من أي جـــــــواب ..
ردت عليه غايه بصوت مرتجف خافت :
غايه : بس يا يوسف ...
يوسف : بس شوه .
غايه : يا يوسف انا انسانه فقيره وبالكاد احصل لقمة يومي ، وانتوا ما شا الله عليكم آآآآ...
قاطعها يوسف بسرعه وقال :
يوسف : ما يعيب الانسان ابدا كونه فقير ، ... اللي عيبه تفريطه بشرفه وكرامته ... وانتي ما شاالله عليج رباج ابوج احسن تربيه .. وزرع فيج كل معاني الشرف والكرامه ...
ترددت غايه قبل لاتقول :
غايه : واهلك ... بيوافقون علي ...
ركز يوسف عينه في عينها وقال بصوت حنون وحازم بنفس الوقت :
يوسف : دام انج وافقتي علي ... بحارب الدنيا كلها عشانج ... واوعدج اني ما اكون لغيرج .. طول ما انا حي ... ومهما طال الزمن او قصر....
سكتت غايه وما عرفت شو اتقول .. ولهذا قال يوسف :
يوسف : انتي الحين سيري بيتكم وانتي مطمنه ، وانا اليوم قبل باجر بفاتح اهلي بالموضوع .. والله ايجيب اللي فيه الخير .. يا الله مع السلامه ..
واتحرك يوسف على طول بعد كلمته الاخير .. وخلى غاليه وهيه في قمة انفعالها ودهشتها ...
كانت اتكلم عمرها وهيه ما مصدقه واتقول :
معقوله اللي صار ..
معقوله الحلم يتحول حقيقه.. وبلمح الابصار .....
معقوله بودع... حياة الشدة والأمرار ...
معقوله بفوز.. بقلب يوسف .. أخير الاخيار ...
معقوله .. معقوله .. معقوله ..
***********
بعد ساعتين من ها اللقاء ، كان يوسف قاعد مع أمه في صالة بيتهم ، وكان ايقوللها :
يوسف : امي .. بغيتج بموضع مهم ..
بدا الاهتمام على ويه ام يوسف وهيه اتقول :
ام يوسف : موضوع ؟! أي موضوع ؟!
قال يوسف بصوت مرتبك :
يوسف : آآآ . أمي شورايج فيني ..
استغربت ام يوسف من سؤال ولدها لكنها قالت :
ام يوسف : من أي ناحيه ..
يوسف : من كل النواحي ..
ام يوسف : والله .. انا ما بمدحك لانك ولدي ..او لأنك ولد شيبان .. لكن كل اللي يعرفونك ايقولون عنك احسن كلام .. ما شا الله عليك .. عاقل ومدين ومؤدب.. والكل يتمنى قربك ..
حس يوسف بارتياح وقال :
يوسف : زين عيل ... طمنتيني ..
قالت امي ام يوسف باستغراب :
ام يوسف : مافهمت .. وضحلي أكثر ..
تردد يوسف وايد قبل لا يقول :
يوسف : أمي .. بصراحه... بغيت أعرس .
اتغير ويه ام يوسف من الهدوء الى الفرح الشديد وهيه اتقول :
ام يوسف : هذي الساعه المباركه .. وانا بذيك الساعه يوم اشوف ولدي الوحيد يوسف معرس .. واشوف بعيني .. واشل بيدي عياله واعيال عياله ..
قام يوسف من مكانه ، وحب أمه على راسها وهو يقول :
يوسف : الله لا يحرمنا منج يا الغاليه ..
أم يوسف : ولا منك يا ولدي ... وانا انشا الله من باجر بدورلك على أحسن بنت في الجزيره كلها ومن أكبر العائلات و..
قاطعها يوسف وهوه يقول :
يوسف : آآآ لا يا امي ، البنيه انا اخترتها خلاص ..
أم يوسف : اخترتها ؟! كيف اخترتها ... احنا من عوايدنا.. الام تختار لولدها ..
يوسف : كل شي يتغير يا امي .. زمنا غير زمنكم ..
ام يوسف : صدقك والله .. شباب هاليوم اطباعهم غريبه .. يبون كل شي باختيارهم .. حتى العروس ..
يوسف : هيه يا اميه .. الاختيار ايكون احسن على ما اظن ...
ام يوسف : هيه بس انته وين شفت ها البنيه؟! بنات الجزيره كلهم ستيرات ، وما يكشفن ويهوهن لحد ..
وبانفعال واضح قال يوسف :
يوسف : اممم ، انا شفتها يوم كنا نلعب مع بعض واحنا صغار .. وظلت صورتها مطبوعه بخيالي و محفوره بقلبي ..
سكتت ام يوسف فتره قبل لا تقول :
ام يوسف : انزين كم عمرها ..
يوسف : اصغر مني بسنتين ..
ام يوسف : اصغر منك بسنيتن .. انته الحين مكمل 18 سنه ، وهذا معناه ان عمر البنت الحينه 16 سنه ..
يوسف : بالضبط .
سكتت ام يوسف قبل لا تقول :
أم يوسف : مب شانها عوده شوي .
يوسف : ليش ؟!
ام يوسف : شو ليش بعد ؟! انا يوم اتزوجت ابوك كان عمري 12 سنه بس و ..
مره ثانيه قاطعها يوسف وهو يقول :
يوسف : يا امي قلتلج من قبل ، زمنا غير زمنكم ، اليوم عادي البنت توصل لسن الـ 16 وحتى الـ 18 سنه وهي ما معرسه ، وما تدرين يمكن ايي اليوم اللي اطوف فيه البنت العشرين وهيه مامعرسه ، او حتى توصل الثلاثين وهيه بعدها عا******ه ..
بدت الدهشه واضحه على ام يوسف وهيه اتقول :
أم يوسف : ما اتخليل بنيه توصل للثلاثين وهيه ما معرسه ... المهم قولي يايوسف .. بنت منو هذي وانا اخطبلك اياها من باجر ..
تردد يوسف قبل لا يقول :
يوسف : آآآ .. هذي غايه ..
أم يوسف : أي غايه ؟!
ارتبك يوسف قبل لايقول :
يوسف : غايه بنت عبيد السماج .
اتغير ويه ام يوسف يوم سمعت ها الاسم ، وبدون وعي صرخت في ويه وهيه اتقول :
ام يوسف : انته شو اتقووول .. ما حصلت غير ها البنيه .. بنت السماج عاد ..
رد عليها يوسف بصوت خافت :
يوسف :.. هذي الله اختارها قلبي ..
ام يوسف : أي قلب واي بطيخ ... انته ناسي انته ولد منوه ..
يوسف : مب ناسي ..
ام يوسف : ومدام مب ناسي ليش تختار ها البنت ..
يوسف : وشو فيها البنت .. ما شا الله عليها .. متربيه احسن تربيه ..وعايشه بكل شرف وكرامه ..
ام يوسف : هيه بس هم وايد فقراء ...
يوسف : يا امي.... الفقر والغنى بيد الله...
ام يوسف : حتى ولو .. لايمكن اوافق على خبالك هذا ..
يوسف : وتكسرين قلب ولدج الوحيد ..
خفت ام يوسف من نبرة صوتها وقالت :
ام يوسف : انا ما ودي اكسر قلبك بس ..
قاطعها يوسف وقال :
يوسف : يا اميه انتي عمرج مابخلتي علي بعطفج وحنانج .. وانا كنت ولا زالت اعتز فيج ، واعتبرج احسن أم في الدنيا .. والحين تبين تحرمين ولدج من ماي قلبه ..
ام يوسف : انا حياتي كلها ترخصلك يا يوسف .. بس .
يوسف : الله ايخليج يا امي .. لا تضيعين علي احلى امنيه و اكبر حلم في حياتي ... صدقيني انا ما اشوف في العالم كله الا غايه ..
سكتت ام يوسف فتره وهيه اتفكر .. وبعدها قالت :
ام يوسف : ..حتى لو وافقت.. ابوك مستحيل ايوافق .. هذا ريلي وانا اعرفه زين ...
يوسف : انتي حاولي بس ويمكن ايلين قلبه ويحن ..
ام يوسف : انا بحاول ... مع اني عارفه النتيجه .....
وبضحكه عذبه قال يوسف :
يوسف : تسلمين يا احلى ام في الدنيا ..
ام يوسف : انته الحين سير غرفتك وانا بقعد افكر بكلام اقوله لابوك يوسف : انشا الله ..
*****
بعد مرور حوالي ساعه .. دخل ابو يوسف البيت ، وشاف ام يوسف قاعده تنتظره واول ما دخل :
ابويوسف : السلام عليكم ..
ام يوسف : وعليكم السلام والرحمه .
ابو يوسف : شحالج يا ام يوسف .
ردت عليه ام يوسف بضحكه كبيره وهيه اتقول :
أم يوسف : انا بخير دام انك يا بويوسف بالف صحه وعافيه ..
ضحك بويوسف وهو يقول :
بو يوسف : اشوفج اليوم مستانسه ..
ابتسمت ام يوسف وهيه اتقول :
ام يوسف : معقوله اشوفك يا بويوسف وما استانس واطير من الفرحه بعد ..
ضحك بو يوسف مره ثانيه وهو يقول :
ابو يوسف : علينا ها الكلام يا حرمه.. انتي اكيد عندج شي وتبين اتقولينه .. انتي حرمتي وانا عارفنج .. عشرة عمر ..
ام يوسف : ما شاالله عليك .. تفهما وهيه طايره ..
ومع ابتسامه عريضه قال بو يوسف :
ابو يوسف : اول شي .. صبيلي استكانة شاي .. وبعدين خبريني باللي عندج.
قامت ام يوسف من مكانها ويابت دلة الشاي وصبت لريلها استكانه شاي وقالتله :
ام يوسف : انا بخبرك بشي عن ولدنا يوسف ..
التفت الها بويوسف وقال باهتمام واضح :
ابو يوسف : ولدنا يوسف ؟! ...فيه شي ؟!
ام يوسف : ما فيه الا الخير والعافيه .. بس هوه خبرني بموضوع مهم ، ويباني اخبرك اياه ..
ابويوسف : موضوع ؟؟ أي موضوع ؟ ..
سكتت ام يوسف لحظات ومن ثم قالت :
ام يوسف : الصراحه .. يوسف يبى ايعرس ..
التفت بو يوسف صوب ام يوسف ، وبدت عليه ملامحه الفرحه وهو يقول :
بو يوسف : الحمدالله .. اخير اقتنع .. انا من فتره اقوله واحن عليه عشان ايعرس .. انا بخاطري اشوف عياله وعيال عياله و..
قاطعته ام يوسف :
ام يوسف : يعني انته موافق ..
بو يوسف : الا موافق ... ومية موافق بعد .. وكل مصاريف العرس على حسابي ... لا تحاتين أي شي .. انتي بس اختاري العروس الزينه بنت العز والنسب وخلي الباجي عليه ..
سكتت ام يوسف فتره وهي اتفكر ، وكان واضح عليها التردد وحتى الخوف .. لكنها قالتله ..
ام يوسف : ولدك خلاص اختارها ..
فتح بويوسف عينه من فرط الدهشه وقال :
بويوسف : هاااه ؟ يعني كيف اختارها .
ام يوسف : يعني حاط عينه على وحده معينه ، ويبى يتزوجها .
بو يوسف : ومن متى الريال يختار البنيه عدنا ، هالشي مو من عوايدنا ولا تقاليدنا ..
ام يوسف : يا بويوسف .. زمنا غير زمنهم .. شباب اليوم غير .. واللي في بالهم يسوونه... والشاب اذا حط البنيه في راسه .. صعب تقنعه باختيار غيرها ..
بويوسف : صدقج والله ، جيل ها اليوم ما ينحكم ... بس .. تذكرين يا ام يوسف .
ام يوسف : اتذكر شوه .
بو يوسف : يوم خذتج ..
استغربت ام يوسف من كلامه وهيه اتقول :
ام يوسف : بس انا ماشفتك الا ليلة العرس .
ابتسم بويوسف وهو يقول :
بويوسف : انا اقصد ها اليوم بالتحديد .. وما اخفي عليج سر .. انا كنت خايف وايد قبل ها الليله ..
ام يوسف : ليش ؟!
سكت بويوسف وبعدها قال بصوت هادي :
بو يوسف : الصراحه كنت خايف ما تطلعين حلوه ...
و بنظره من طرف عينها قالت ام يوسف:
ام يوسف : وشو شفت ..
رد عليها بويوسف بصوت رقيق وهو يقول :
بو يوسف : صادف يوم عرسنا ليلة الـ 14 من الشهر .. وبها الليله ما شاف الناس البدر في السماء.. مثل ما كانوا متعودين ، ويوم سألوا عن السبب .. عرفوا انه نزل من سماه وقعد معاي على الارض ..
احمر ويه ام يوسف من الخجل ، على الرغم سنها ، حتى انها نست مؤقتا موضوع ولدها يوسف وقالت :
ام يوسف : بو يوسف .. بس عاد .. ما اتحمل ها الكلام الحلو ..
ضحك بو يوسف وهو يقول :
بويوسف : المهم الحين .. خلج من ها السالفه .. وخبريني عن ولدج .. منو ها البنيه اللي اختارها قلبه .. وانا اطلبها اليوم قبل باجر ..
اتغير ويه ام يوسف ورجع الخوف والقلق لملامحها وقالت :
ام يوسف : آآآ . هييه ... يعني .. ما ادري شو اقولج ..
استغرب بويوسف من ترددها وعشان جذيه قال :
ابويوسف : ما تدرين شو اتقولين؟! بلاج يا ام يوسف ما قادره اتقولين اسم البنيه .. يمكن خايفه اهل البنت يرفضون ..
ام يوسف : لا .. بس .
قاطعها بويوسف وهو يقول :
بو يوسف : بس شوه .. عائلات الجزيره كلها يتمنون ايناسبون شيبان .. ولايمكن لاي بنيه مهما كانت انها تتجرء وترفض يوسف ولد شيبان ..
زادت ربكة ام يوسف وهيه اتقول .
ام يوسف : انا ما قلت جذيه .. بس
ابو يوسف : شو فيج اتبسبسين .. قولي منو هيه وريحي راسج ..
ترردت ام يوسف قبل لا تقول بصوت هادي ومرتجف :
ام يوسف : اسم البنيه ... غايه ..
بويوسف : غايه ؟! أي غايه ؟ بنت منو هاي ..
وبصوت واطي وايد وبالكاد يسمعه بويوسف قالت :
ام يوسف : غايه بنت عبيد السماج ..
اتغيرت ملامح بويوسف فجأه وظل يطالع ام يوسف بنظرات حاده ومخيفه ، وهوه ما مصدق اللي سمعته اذنه ، ومع هذا قال الها بصوت هادي :
ابويوسف : ما سمعت زين.. مب شانج قلتي بنت عبيد السماج ولا انا غلطان ..
ردت ام يوسف وعينها على الارض :
ام يوسف : لا مب غلطان .. هيه فعلا بنت عبيد السماج ..
سكت ابو يوسف فتره قصيره وهوه يطالع ويه ام يوسف .. لكنه فجأه وقف في مكانه ، وصاح بصوت عالي اهتز البيت كله لقوته وقال بمنتهى العصبيه والغضب ..
ابو يوسف : انتي شو اتقولين يا حرمه ..
ارتجفت ام يوسف من شدة غضبه ، وقالت بصوت متقطع :
ام يوسف : بويوسف هدي اعصابك شوي ..
صرخ بويوسف في ويها مره ثانيه وقال :
بو يوسف : أي اعصاب اللي تبيني اهديها ، وانا اسمع ها التخاريف اللي اتقولينها ، معقوله ولد الحسب والنسب والجاه .. ولد شيبان اكبر تجار واشراف الجزيره ياخذ بنت السماج .... هذا الاخبال بعينه وعلمه.
وبارتباك شديد ردت ام يوسف :
ام يوسف : يا شيبان اهدأ شوي خلنا نتفاهم ..
ابو يوسف : أي تفاهم ... وها الموضوع فيه تفاهم .. وبعدين تعالي انتي... كيف اتوافقين على ها الشي ..
انتفضت ام يوسف وكانت اتحاول تتهرب من اجابة هالسؤال او اتخفف من ثورة الغضب فيه وقالت :
ام يوسف : انا نصحته وقلته ، لكنه ما سمع الكلام واصر على ها الشي ..
بو يوسف : اصر على ها الشي !.. قومي فزي ناديلي اياه الحينه ..
قالت ام يوسف وهيه مذعوره :
ام يوسف : كيف بتكلمه وانته بها العصبيه كلها ..
وبصرخه عنيفه قال شيبان الها :
بو يوسف : مب شغلج .. سوي اللي قلتلج اياه بسرعه ..
ومن شدة خوفها قامت ونادت على يوسف ... وطلع يوسف من غرفته .. وهو يتحرك بخطوات ثقيله .. ولما وصل عند ابوه قال بويوسف بصوت عالي :
بويوسف : صدق اللي قالته امك ..
ارتبك يوسف وما عرف شو يقول .. لكنه في النهاية قال :
يوسف : بخصوص شو .
شيبان : انك تبى تاخذ بنت السماج ..
سكت يوسف ، وقال بصوت هادي بالكاد يسمعه هو نفسه :
يوسف : هيه .
صرخ بويوسف بويهه وقال :
بويوسف : انته شو ا تخبلت ، والا انضربت في مخك ، ولد شيبان ياخذ بنت السماج ... انته اكيد مو في وعيك ..
رد عليه يوسف بثبات وقال :
يوسف : انا في كامل وعيي .. ومتمسك فيها لابعد حد .. قلبي يباها وما اقدر اصبر عنها ..
وبعصبه عنيفه قال بويوسف :
بويوسف : وبعد مصر عليها ..... يا يوسف .. هذيل ناس فقارى .. فقارى ما لاقين لقمه ياكلونها .. وانته ولد شيبان .. عارف شو يعني ولد شيبان ..
رد عليه يوسف بحزم عجيب ما توقفه شيبان نفسه :
يوسف : هيه عارف .. عارف شو يعني ولد شيبان .. ولد شيبان انسان مثلهم .. حاله من حالهم .. انخلق مثل ما انخلقوا .. وعاش مثل ما عاشوا ... وما يعيبهم ابدا انهم فقارى دام انهم ياكلون لقمتهم بالحلال ، ويغذون روحهم بالشرف والكرامه ، وبعدين الفقر مب عار عشان انعايرهم فيه ..
رد عليه بويوسف بصوت خشن :
بويوسف : اكيد عار ... الفقر عار عار عار ..
ابتسم يوسف على الرغم من شدة الموقف وقال :
يوسف : اذا كان الفقر العار .. فالعار صايبنا كلنا وما في انسان معصوم منه .. ولا تنسى كلام الله في محكم كتابه (( يا ايها الناس انتم الفقراء الى الله ، والله هو الغني الحميد )) ...
رد عليه شيبان بصوت عالي :
شيبان : بس الناس طبقات ، والسماء عمرها ما التقت بالارض .
سكت يوسف يوم شاف ماشي فايده من النقاش ، لكن ابوه اصر ايعرف رده النهائي فقاله :
شيبان : من ها اللحظه تنساها نهائيا .. فهمت .
وبحزم شديد قال يوسف :
يوسف : انا عمري ماعصيت لك أمر .. لكن الحينه ما اقدر .
شيبان : شو يعني .. بتعصي أمري يا ولد ..
يوسف : ما كان ودي والله .. بس أنا وعدت غايه انا اكون الها.. وما اكون لغيرها... طول عمري .. ومهما طال الزمن..
شيبان : يعني هذا كلامك النهائي ..
قال يوسف بثقه :
يوسف : هيه ...
سكت شيبان وهو يطالع ولده بعيون حاره .. وفجــأه ... انفجر بركان الغضب عند شيبان .. واتحرك صوب يوسف.. وبسرعه كبيره مسك يوسف من ايده ودفعه بقوه صوب الجدار .. ومن شدة الدزه أوالدفعه.. انضرب راس يوسف بالجدار وبقوه .. وطاح على الارض والدم يسيل من راسه ...
وطول ها الوقت كانت ام يوسف اتراقب الموقف وهي ساكته .. لكن اول ما شافت ولدها طايح على الارض والدم سايح من راسه ركضت صوبه ودموعها في عينها ومسكت راس ولدها ومسحت الدم وهيه اتقول :
ام يوسف : حرام عليك يا شيبان ، ذبحت الولد .. حرام عليك .. هذا ولدك ..
وبالرغم من كلامها ودموعها ، ما سوالها شيبان ادنى اعتبار ، وعلى طول اتجرب منهم ومسك ام يوسف من ايدها ودفعها بعيد عن ولدها
وهو يقول :
شيبان : خوزي عنه..... مالج شغل فيه ..
والتفت مره ثانيه ليوسف ومسكه من ثيابه ورفعه فوق وهو يقول ..
يوسف : ينكسر راسك ، وتنفرم عظامك قبل لا تفضحني وتتزوج بنت السماج ..
ورغم الالم اللي انتشر في جسم يوسف قال :
يوسف : ما بتخلى عن غايه حتى لو قطعتني .
اتفاجأ شيبان بجوابه لكنه قال بعصبيه :
شيبان : ما بتحصل ريال واحد مني ..
ولاول مره رفع يوسف صوته وقال :
يوسف : الله الغني عنك وعن بيزاتك ...
فتح شيبان عينه وازداد انفعاله وقال :
شيبان : وصلت فيك المواصيل ترفع صوتك بويهي..
نزل يوسف راسه للارض وقال :
يوسف : انا عمري ما سويتها.. بس انته اللي اجبرتني على ها الشي .
قال شيبان بمنتهى العصبيه :
شيبان : اطلع برع بيتي ، وما ابغي اشوفك هنيه مره ثانيه ، لا انته ولدي ولا اعرفك ، اطلع برع ... برع.
صاحت ام يوسف وهيه اتقول :
ام يوسف : انته شو اتقول يا شيبان .
التفت الها شيبان وقال :
شيبان : جب انتي .. ما بيدش البيت ليما يتأدب .. ويخوز ها الخبال عن براسه ..
والتفت مره ثانيه ليوسف وهو يقول :
شيبان : شو تتريا .. يا الله برع .. ما ابغي اشوفك هنيه ... .. برع .. برع .
وبعيون دامعه ، وبراس دامي .. طلع يوسف من البيت ، وفي اتجاه مكان مجهول ........ ودموع ام يوسف اتسيل على خدها خوفا على مصير ولدها ....
***********
(( غلط اللي سويته غلط ))
بها الكلمات نطق ابراهيم اللي يصير اخو شيبان الاكبر ، وعشان جذيه قال شيبان :
شيبان : غلط ؟! اتسمي اللي سويته غلط .. يعني شو تباني اسوي ، تباني آخذه في الاحضان واقول مبروك على حسن اختيارك ..
ابراهيم : انا ما قلت جذيه .. بس ها الامور لازم ناخذها بالحكمه والتفكير . مب بالضرب والتجريح . انا لما شفت يوسف امس والدم ايسيل من راسه ما صدقت.. اتحريت واحد من الفريح ضاربنه .. ما اتوقعت ابدا اتكون انته امسونها ..
شيبان : شو اسوي .. ها الولد طلعني من طوري...وخلاني اضربه غصب ...
وبلهجه صارمه قال ابراهيم :
ابراهيم : وهذا اساس الغلط ، انك فقدت اعصابك ، واتصرفت بعصبيه..
شيبان : يا ابرهيم .. ها الولد يبى يفضحنا ويتزوج بنت السماج .. يرضيك ها الشي ..
قال ابراهيم بهدوء :
ابراهيم : لا طبعا ... ما يرضيني ... وعشان جذيه لازم اندور حل مناسب ..
شيبان : الحل انه ما يدخل البيت ولا يحصل ريال واحد .. ليما يعقل وينسى نهائيا .. شي اسمه غايه ..
ابراهيم : يا شيبان .. شباب اليوم ما تقدر تحكمهم بالقوه .. كل ما قسيت عليهم زاد عنادهم ...... وبعدين قولي ياشيبان .. انته ما فكرت بكلام الناس ..
فتح شيبان عينه وهو مدهوش :
شيبان : كلام الناس ؟! ما فهمت .. شو قصدك ..
ابراهيم : شو بيقول الناس يوم يسمعون انك طارد ولدك ! .. او ما قاعد تصرف عليه .؟! ... طبعا بيقولون شيبان ما عرف ايربي ولده وعشان جذيه طلع عن شوره ... وبيقولون... ولد التاجر العود ما عنده ريال في جيبه ....
سكت شيبان فتره وهو يفكر وبعدها قال :
شيبان : صدقك والله .. انا كيف ما فكرت بها الشي ..
وبابتسامه خبيثه قال ابراهيم :
ابراهيم : هذا لانك حكمت قلبك وما فكرت بعقلك ..
شيبان : والحين شو الحل ...
صمت ابراهيم لحظات وهوه يفكر وبعدها قال :
ابراهيم : لا تخاف ، مدام اخوك ابراهيم موجود كل شي بينحل ..
بانت معالم الفرح على ويه شيبان وهو يقول :
شيبان : طول عمرك صاحب افكار عجيبه ..
ضحك ابراهيم وهو يقول :
ابراهيم : اللي ايفكر بعقله .. دايما يكسب ..
قال شيبان واللهفه واضحه عليه ..
شيبان : انزين قولي شو الحل .
ابراهيم : شوف .. اهم شي تبتعد ها لبنت نهائيا عن يوسف ، سواء عن عينه.... او حتى بوجودها في الفريج كله ..
سكت شيبان فتره وهو يفكر وقال :
شيبان : هاه .. ما فهمت .... يعني قصدك ما تطلع من بيتها نهائيا ..
قال ابراهيم بصوت اعلى شويه :
ابراهيم : لا هذا مب حل .. لانه بيحس بوجودها في بيتها ، حتى لو ما شافتها عينه .. ها البنت لا زم تختفي نهائيا عن الفريج ..
استغرب شيبان من كلام ابراهيم وقال :
شيبان : يعني كيف تختفي نهائيا عن الفريج ... نذبحها مثلا ..
قالت ابراهيم بانفعال :
ابراهيم : انا ما قصدت جذيه طبعا ..
شيبان : عيل شو تقصد ...
قال ابراهيم بصوت خافت :
ابراهيم : النفي ...
وباستغراب قال شيبان :
شيبان : النفي ؟! ... شو يعني النفي ..
ابراهيم : يعني نطردها هيه وابوها من الفريج كله ...
سكت شيبان فتره ، وهوه ايفكر بها الحل ثم ما لبث ان قال :
شيبان : انته شو اتقول يا ابراهيم ، انته عارف ان جزيرتنا طنب صغيره ، طولها ( 12 كيلو ) وعرضها ( 7 كيلو ) .. يعني حتى لو طردناهم من الفريج ، ممكن ايحلصها يوسف بعد اسبوع على الاكثر ..
ابتسم ابراهيم وهو يقول :
ابراهيم : انا ما قصدت نطردهم من الفريج وبس .... انا اقصد نطردهم من الجزيره كلها .. ولمكان بعيد محد ايعرفه ابدا ...
اندهش شيبان من كلامه وهو يقول :
شيبان : برع الجزيره ... يعني وين مثلا ..
ابراهيم : البر الثاني .. ساحل عمان .. دور على أي اماراه من امارات الساحل وطرشهم هناك ..
شيبان : وعبيد السماج بيرضى ..
ابراهيم : عاد ها الشي انته وشطارتك ، استخدم و ياك كل اساليبك ... سواء بالشده أو اللين ..
مرت لحظات صمت مره ثانيه وشيبان قاعد ايفكر ، لكنه ضحك في النهايه وقال :
شيبان : يا سلام عليك يا ابراهيم .. الله لا يحرمنا من افكارك .. طول عمرك راعيها ..
ضحك ابراهيم وقال :
ابراهيم : عشان اتعرف بس قيمة اخوك ..
شيبان : انا عارف ها الشي من زمان ..
واستمرت ضحكتهم ، وبعدها قال ابراهيم ..
ابراهيم : ومتى بتسير حق عبيد السماج .. عشان اتبلغه قرار نفيه ..
قام شيبان من مكانه وقال :
شيبان : الحين مره سايرله ، ما اقدر اصبر دقيقه وحده .. يا الله فمان الله ..
ابراهيم : فمان الله ..
******
اتجه شيبان مباشره صوب بيت عبيد السماج واول ما وصل البيت ، دق باب البيت بكل قوته .. وبعد ثواني سمع صوت من داخل البيت يقوله : منو على الباب ؟!
قال شيبان بصوت عالي :
شيبان : انا عمك بويوسف يا السماج ..
فتح عبيد الباب وهو يقول بلهفه :
شبيان : عمي بويوسف عدنا يا هلا ومرحبا فيك .. شرفتني بزيارتك ... اتفضل ..
رد عليه شيبان بعصبيه :
شيبان : لا اهلا ولا سهلا ...
استغرب عبيد من كلامه وقال :
عبيد : ليش يا عمــــي ..
شيبان : أسأل بنتك قبل ...
عبيد : بنتي ؟! شو فيها بنتي ؟!
قال شيبان بعصبيه :
شيبان : بسألك يا السماج .. عمر الارض التقت مع السماء ..
استغرب السماج من سؤاله لكنه قال ..
عبيد : طبعا لا ..
شبيان : عيل ليش رافع راسك فوق .. وتبى توصل لاسيادك
.
عبيد : عمي انا ما فاهم شي ابدا ..
شيبان : شوف يا عبيد .. بنتك لاعبه بعقل ولدي ، والحين متخبل يباها ..
عبيد : ولدك يبى بنتي .. يا عمي احنا وين .. وانتوا وين .. احنى ناس فقارى .. وبالزور انحصل لقمتنا ..
شيبان : زين يوم عرفت قدر نفسك ... انته ولا شي ... لازم تبتعد انته و بنتك عن ولدي نهائيا .. فهمت ..
ارتبك عبيد وما عرف شو ايرد وفي النهاية قال :
عبيد : خلاص عمي ،... أوعدك اني ما اخلي بنتي اتعب عتبة الباب ، بحبسها في دارها ، حتى الشمس ما بتشوفها ..
صرخ فيه شيبان وهو يقول :
شيبان : هذا ما يكفي ..
فتح عبيد عيونه وهو يقول :
عبيد : عيل شو تباني أسوي .
قال شيبان بلهجة آمره :
شبيان : تطلع برع الفريج .. وما اشوفك نهائيا هنيه ..
انتفض عبيد من شدة المفاجأة وقال :
عبيد : اطلع برع الفريج؟! .... وين اسير يا عمي ؟!
شبيان : تطلع واتسير بعيد ... بعيد وايد ... برع الجزيره كلها ... اتهاجر للبر الثاني .. بأي اماره من امارات الساحل ..
صمت عبيد فتره و المفاجأة شاله السانه لكنه قال :
عبيد : اسمحلي يا عمي هذي ارضي ، انولدت فيها .. وعشت فيها .. وبموت فيها .. وما اقدر اطلع منها حتى لو مت من اليوع ...
وبها اللحظة امتدت ايد شيبان ومسكت في ثياب عبيد وهو يقول :
شيبان : بتطلع غصبن عنك ...
كان عبيد مرتبك وجسمه ينتفض ومع هذا قال :
عبيد : حتى لو ذبحتني او قطعتني ما بطلع من الجزيره ..
اشتدت قبضة شيبان على ثياب عبيد وهو يقول :
شيبان : انا بسوي فيك اكثر من الذبح والصلخ ..
عبيد : شو بتسوي يعني ؟!
ابتسم شيبان ابتسامه خبيثه وقال :
شيبان : انته عارف يا عبيدوه اني ريال معروف ، والكل يسمع كلامي ويصدقني .. ومن باجر بقول لاهل الفريج ان بنتك اتركض وراء ولدي .. وانها مسوتله عمل عشان يتعلق فيها ويفكر فيها وياخذها..وساعتها بتكون فضيحتك كبر البحر اللي حوالينا او حتى اكبر .
انتفض عبيد في مكانه يوم سمع ها الكلام وقال :
شيبان : لاياعمي .. ابوس ايدك لا اتسويها .. احنا راس مالنا سمعتنا وشرفنا... واذا ضاعت .. ضاعت حياتنا كلها ..
قال شيبان بهلجة خبيثه :
شيبان : عيل اتنفذ اللي اقول اياه ، وتطلع برع الجزيره ..
نزل عبيد عيونه للارض ، وكان واضح عليه الحزن والتأثر وقال :
عبيد : على أمرك يا عمي . بس ..
شيبان : بس شوه بعد .
عبيد : انا انسان فقير وما املك في ها الدنيا غير بيتي ، واذا طلعت من بيتي وين بحصل مكان اعيش فيه انا وبنتي في الارض اليديده .
شيبان : ما عليك .. انا مرتب كل شي .. انته بتسير دبي ..
عبيد : دبي ؟!
شيبان : هيه دبي .. وقبل لا تسير.. بعطيك ورقة بيت.. وهالبيت انا اشتريته قبل سنه هناك في دبي ، وبتحصل البيت مسجل باسمك ، والبيت هذا موجود على البحر ، وبتحصل مركب صغير بعد... تقدر تطلع فيه البحر ..
قال عبيد بصوت خافت :
عبيد : اللي اتشوفه ..
ومره ثانيه قال شيبان بلهجة آمرة :
شيبان : بس قبل هذا... عطني ورقة بيتك ، واتنازلي عن البيت .
قال عبيد بدهشه :
عبيد : ليش ..
قال شيبان بخبث :
شيبان : عشان اضمن انك ماترجع هنيه مره ثانيه ...
قال عبيد بغصه :
عبيد : انشا الله .
شيبان : باجر الفجر .. بتحصلون مركب يترياكم .. بتركبونه وبيوديكم دبي .
عبيد : باجر مره ؟
شيبان : هيه باجر .. بس ما بي حد ايعرف انكم سايرين ها المكان ، ولا حتى الجني الازرق .. ومع هذا خبر جارك انكم طالعين من الجزيره بس بدون ما يعرف وجهتكم .
قال عبيد بمراره :
عبيد : الله اتريده بيصير .
ابتسم شيبان وقال :
شيبان : عشان مره ثانيه ما ترفع خشمك واتحط راسك براس اعمامك .
سكت عبيد وما علق على كلام شيبان الاخير ، وشيبان بدوره طلع من البيت بعد ما صفق الباب بكل قوه وراه... واول ما ابتعد عن البيت قال عبيد : الله اكبر على من ظلم وتجبر .. الله اكبر على من ظلم وتجبر ..
والتفت عبيد وراه وشاف بنته غايه والدموع تنهمر من عينها مثل المطر .. وكانت واضح عليها احساس القهر والمراره والعذاب وبدون حد .... وكيف ما تحس وحلم حياتها اتحطم واتكسر بعد ما كان على وشك انه يتحقق .. كيف ما تحس وهيه خسرت اغلى انسان على قلبها .. يوسف ... والادهي من جذيه انها بتخسر حتى ارضها اللي عاشت فيها احلى ايام صباها وحياتها .... مراره مابعدها مراره .. وما قطع ها الصمت الرهيب الا صوت عبيد وهوه يقول :
عبيد : غايه .. انا طول عمري افتخر واعتز فيج .. وانا مربنج احسن تربيه .. تقدرين اتفسريلي شو اللي صار بينج وبين يوسف .
قالت غايه والدموع ما تتوقف من عينها :
غايه : صدقني يا بويه .. انا عمري ما جذبت عليك .. يوسف هو اللي يلاحقني وقال لي انه يباني ..
قال عبيد بحزن :
عبيد : وانا واثق من كلامج ... لكن حب يوسف لج .. خسرنا كل شي حتى ارضنا ...
وبلحظة خاطفه انفجرت غايه بالصراخ ، وكأنها ما تحملت قسوة ها الموقف الفظيع وقالت::
غايه : حرام عليهم ... حرام عليهم .. احنا شو سوينا فيهم .. حتى الفرحه مستكثرينها فينا .. ما كفاهم كل اللي عندهم .. عشان يسلبونا كل شيء ..حتى ارضنا ..
رفع عبيد ايده وحطاها على كتف غايه وهو يقول :
عبيد :الله كريم .. الله ما ينسى عباده يا غايه ..
قالت غايه وبدون وعي ولا ادراك للكلام اللي اتقوله :
غايه : يا بويه احنا ما سوينا شي بحياتنا ، طول عمرنا نعبد الله باخلاص وامانه ، ليش يستوي فينا جذيه ، ليش انعيش بفقر ومهانه ، ليش الناس الطيبين يعيشون بفقر ومذله ،.. وها الظالمين عايشين بخير وعز ونعمه ..
قاطعها عبيد بسرعه وهو يقول :
عبيد : استغفري ربج يا غايه .. كل اللي يصير لحكمة من رب العالمين ، واحنا ما ندري الخير من وين ايينا ،.. ويمكن ايكون الفقر والشدة نعمه من الله ،.. ويمكن لو الله انعم علينا بخيرات كثيره نبطر ونسرف... وساعتها بتكون خسارتها اكبر .. ولا تنسين قول الله تعالى (( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير ) ) صدق الله العظيم ..
قالت غايه بصوت خافت :
غايه : صدق الله العظيم ..
عبيد : ومع هذا ندعوا الله انه يكتبلنا الخير في الارض اليديده اللي اختارلنا اياها ..
غايه : آمين .
قام عبيد من مكانه ... وظل يطالع البيت كله بنظرات حزينه وهوه قاعد ايودعه ، ويودع احلى سنين عمره في ارجاء ها البيت ، وشاركته غايه ها الاحساس وهيه تتذكر كل ركن من اركان ها البيت القديم ......
وعند الفجر .. كان المركب متحرك وهوه حامل معاه غايه وابوها وهم متجهين صوب الارض اليديده .. امارة دبي ..
******
في اليوم الثاني كان يوسف وكالعاده ، واقف وراء التل بالقرب من الساحل ، وهوه يتريا غايه .. وطال انتظاره .. ساعات كثيره وهو ينتظرها .. لكن .. بدون فايده . ولما اتأخر الوقت .. رجع بيته ..
وفي اليوم الثاني رجع مره ثانيه لنفس المكان .. وظل ينتظر .. وينتظر ..لكن دون نتيجه ... وفي اليوم الثالث قرر في نفسه انه يسير بيتها ... وليش ما يسير ..
بيسير بيتها وبيطلبها من ابوها ..
وبيتزوجها ..
صحيح انه ما يملك شي ..
لكنه بيربح اغلى دانه في الدنيا ... غايه
بيعيش معاها في بيتها الجديم..
وبياكل من اكلها ..
وبيطلع البحر مع ابوها ...
ومهما كانت حياتهم صعبه.. ما بتكون اصعب من فراقها ..
وفعلا اتحرك مباشره صوب بيتهم.. وكان متلثم عشان محد ايعرفه .. ووقف عند الباب .. وظل ايدق الباب ويدق ويدق .. وما مل من الدق ... ومن كثرة مادق على الباب طلع الجار وقال لهه :
الجار : شو فيك ادق الباب من ساعه .
يوسف : لوسمحت ياعمي وين احصل عبيد السماج .
الجار : عبيد السماج طلع من الفريج كله .
فتح يوسف عينه من الدهشه وقال :
يوسف : طلع .. وين سار ..
الجار : طلع من الجزيره كلها .. ولجهه غير معروفه .. ومن يومين تقريبا ..
شعر يوسف بمراره وحراره تلتهب بصدره وقال :
يوسف : وما تدري ليش طلعوا ..
تردد الجار قبل لا يقول :
الجار : الصراحه .. في الليله اللي طلعوا فيها شفت التاجر المعروف شيبان يدخل بيتهم .. وسمعته يصارخ بويه عبيد .
انتفض جسم يوسف يوم سمع اسم ابوه لكنه قال :
يوسف : مشكور عمي ، فمان الله .
الجار : الله معاك ..
ومشى يوسف وهموم الدنيا تعصف فيه .. ومن شدة حزنه ما عرف وين ايسير ... خسر كل شي .. خسر غايه ...
والسبب ابوه ...
ليته كان انسان عادي ..
ليته ما كان غني ..
ليته كان انسان فقير وافقر حتى من غايه ...
ليته وليته وليته .....
وما وعى الا وهوه على باب بيتهم .. واول ما دخل ...شاف ابوه وامه قاعدين مع بعض ..
ظل يوسف فتره طويله وهوه يطالع ابوه بنظرات حزن وعتاب ، والابو ايطالعه بدهشه ، .. وبعدها... سالت الدموع من عين يوسف وهويقول كلام موجه لابوه :
يوسف : حرام عليك .. انا ولدك .. انته ما فيك قلب .. كسرت قلبي وحطمت حياتي ..
قال شيبان بصوت عالي :
يوسف : انا سويت ها الشي عشان مصلحتك .
رد عليه يوسف بانفعال :
يوسف : مصلحتي؟! مصلحتي انك تحرمني من الانسانه اللي احبها .
قال شيبان بلهجه صارمه :
شيبان : يوم بتكبر بتعرف اني على حق ..
ابتسم يوسف على الرغم من حزنه وقال :
يوسف : يوم اكبر ؟! خلاص يا بويه .. انا شيبت وشاب قلبي لحظة ما انحرمت من غايه ...
قال شيبان باستهزاء واضح :
شيبان : هذا كلام بس ، يومين وبتنساها ، وعقبها.. بتدعيلي ..
ارتفع صوت يوسف فجأه وهوه يقول :
يوسف : مثل ما حرمتني منها ... تحرم علي كل بنات الدنيا ...
ومثل ما وعدت غايه ما بكون لغيرها.. مهما طال الزمن او قصر ..
وبعد هالكلمه دخل يوسف غرفته وسكرها بعنف ... وساعتها قالت ام يوسف لشيبان ..
ام يوسف : زين لك جذيه كسرت قلب الولد ..
قال شيبان وبدون مبالاه :
شيبان : ما عليج منه بيصيح يومين وبعدين بينسي ..
سكتت ام يوسف فتره وظلت تطالع شيبان بنظرات غريبه وهيه اتقول :
ام يوسف : ما اعتقد ...
شيبان : شو قصدج ...
ام يوسف : ياليته يرجع مثل ما كان ...
وبعدها سكتت ام يوسف وما قالت أي شي...
وفعلا .. ما قدر يوسف ابدا ينساها .. انه ينسى غايه ... وفي كل يوم كان يوسف يقعد وارء التل الصغير عند ساحل البحر ، وهو يتخيل وجود غايه هناك ... ويترياها ..
كان دايما يتخيلها واقفه على البحر... وهيه اتغسل الثياب ..
كان دايما ايشوف صورتها مرسومه على ماي البحر .. وعلى امواجه.
ومرت الايام والشهور ويوسف على ها الحاله ... كل يوم ...
ينتظرها على سيف البحر ......
*********
بعد اكثر من سنه من رحيل غايه عن الجزيره .. وفي الثلاثين من شهر نوفمبر لعام الف وتسعمائه وواحد وسبعين (( 30 / 11 / 1971 )) دخلت القوات الغازيه لارض جزيرة طنب الكبرى وشقيقتها طنب الصغرى ...
ومرت على الجزيره احداث عظيمه .. اتغيرت هوية الجزيره بالكامل .. جزء من الناس هاجروا لاراضي الامارات السبع .. وجزء منهم اتهجروا بالغصب .. وجزء منهم اصروا على البقاء في الجزيره لكنهم اجبروا على اخذ جنسية الدوله المحتله ... وكان يوسف من ضمن اللي اصروا على البقاء... وبالتالي اجبروه على أخذ جنسية الدوله المحتله. ..
ومرت لحظات عصيبه على الجزيره .. ( شيبان ) خسر كل ثروته وامواله بعد ما استولت القوات المعتديه على كل خيرات الجزيره وعلى اراضيها وعقاراتها .. وانتزع الله منه كل الخير اللي رزقه اياه .. وانتزع منه حتى حياته .. لانه عاش الايام الاخيره من حياته ذليل ومهان .. وما تحمل ها الوضع ومات من شدة الحسره والالم والذل .... ولحقته زوجته بعد ايام قليله من وفاته ..
وبالنسبه ليوسف... فعاش ايام طويله من الشده والكرب ..
خسر كل شي .. خسر ابوه وامه وامواله وارضه وحتى هويته .. وقبل هذا كان خسر حبه غايه .. مصايب عظيمه انصبت على يوسف في حياته .. ومع هذا ظل ايكافح ويكافح ...ليما قدر يكون نفسه من جديد ويعيش حياه كريمه .. لكن.. ومع كل اللي جراله....
لا يزال يوسف يوقف وبشكل يومي وراء التل الصغير عند الساحل القديم ، وهو يتذكر غايه وينتظرها ...
ومرت الايام والشهور السنين ...
ومضت حوالي خمس وعشرين سنه عن آخر لقاء جمع يوسف بغايه ..ومع هذا ظل يوسف ينتظرها عند الساحل القديم .. وظل طوال ها السنين عا****** ...وما كان لغير غايه...مثل ما وعد غايه ...
*****
وفي عام الف وتسعمائه وخمس وتسعين ( 1995 )، أي بعد خمس وعشرين سنه ، كان يوسف قاعد في محل الثياب اللي يمكله مشاركة مع رفيجه حسن ، وكان يوسف ساكت طول الوقت وما قطع ها الصمت الا صوت حسن وهوه يقول :
حسن : وبعدين وياك يا يوسف .. لين متى بتم جذيه.. انته الحين كبرت يا يوسف وعديت الاربعين وبعدك ما معرس .. اللي في سنك عيالهم كبار ومعرسين بعد ...
التفت يوسف لحسن وشافه بنظرات حزينه وقال :
يوسف : ما اقدر يا يوسف .. ما اتصور اقعد مع أي حرمه غير غايه .
قال حسن بعصبيه :
حسن : يا يوسف .. غايه اطلعت من الجزيره من سنين طويله .. وانته ماتدري وين اراضيها .. وبعد كل هالسنين كل شي اتغير .. اتلاقيها الحين عرست وعيالها كبار بعد ..و
قال يوسف وكأنه ماسمعه :
يوسف : أخ لو اعرف وين ارضها ، خاطري اشوفها ولو مره أخيره بحياتي .. لكن ... للاسف .. مات ابوي ومات السر معاه .. الله ايسامحك يا ابوي حرمتي من اغلي شي بحياتي ... غايه ..
حسن : يا يوسف ، غايه اكيد الحين نستك بعد هاالسنين الطويله .. او حتى ظانتنك ميت ... خصوصا بعد احداث عام واحد وسبعين ..
قال يوسف بصوت خافت :
يوسف : حتى لو ظنتني ميت .. حبها لازال حي في قلبي ، وبيظل حي طول ما هوه ينبض ...
حرك حسن راسه وهوه يقول :
حسن : انته ما منك فايده .. النصيحه ما اتأثر فيك ...
يوسف : الله كريم ..
حسن : وعشان جذيه خلنا نتكلم في الشغل احسن ..
يوسف : قول اللي عندك ..
اعتدل حسن على كرسيه وقال :
حسن : اسمع يا يوسف .. انته اتعرف انه عدنا محلات ثياب كثيره هنيه في الجزيره ..
يوسف : هيه اعرف ..
حسن : واتعرف ان المحلات على كثرتها ما اطلع النا ارباح ومردود زين ..والسبب معروف .. قلت الناس على الجزيره وضعف امكانياتهم المادية..
قال يوسف بهدوء :
يوسف : الحمدالله على كل حال ..
حسن : الحمدالله ... بس الواحد لازم ايحاول على قد ما يقدر ايطور من تجارته ..
قال يوسف بدهشه :
يوسف : وشو تبانا انسوي ..
رد عليه حسن بثقه :
حسن : انا سويت فعلا ...
استغرب يوسف من كلامه :
يوسف : شو سويت ؟ !
حسن : فتحنا فرع يديد لمحلنا في دبي ..
يوسف : في دبي ؟!
حسن : هيه في دبي ، انته عارف زين ان دبي تشهد نهضه اقتصاديه كبيره ، والمراكز التجاريه قاعده اتزيد ، ومع زيادتها بيزيد عدد الزوار والمتسوقين ، وانا سمعت انهم بيسون مهرجان للتسوق في السنه اليايه... يعني سنة سته وتسعين .. وهذا معناه زيادة عدد المشترين والمتسوقين ، وبجذيه نقدر انسوق بضاعتنا وانحقق ارباح كبيره ..
سكت يوسف قبل لا يقول :
يوسف : والله فكره معقوله ..
حسن : معقوله ومضمونه .. بس انا بغيت منك شي يا يوسف ..
يوسف : شي مثل شوه ..
حسن : انا ها الايام وايد مشغول .. بسير الهند وتايلاند عشان اييب بضاعه يديده .. ومحلنا في دبي يديد .. محتاج حد ايراجع حساباته .. ويشرف على تنظيمه ...
قال يوسف بدهشه :
يوسف : يعني تباني اسير دبي ..
حسن : اسبوع واحد بس .. ليما يترتب وينتظم الشغل في المحل ..
تردد يوسف لكنه قال :
يوسف : على أمرك .. بسير . رغم اني ما احب اطلع من الجزيره ، وهذي اول مره اغادر فيها ها الارض ..
قال حسن بلهجه هاديه :
حسن : انته يا يوسف ما تبى اتودع المكان اللي كنت اتشوفه فيه غايه.. هناك .. عند ساحل البحر ... صح ..
قال يوسف بحزن :
يوسف : بهاي صدقت .. صعب افارق المكان اللي كانت فيه غايه .. بس ما باليد حيله .. كلها اسبوع وراجع ..
اتغيرت لهجة حسن و قال :
حسن : بس فيه شي لازم اتسويه .
يوسف : شي مثل شوه .
حسن : لازم اطلع تأشيرة زياره ، انتي ناسي انك ماتحمل جنسية الامارات ، وانك تحمل جنسية البلد المحتل بعد سنه واحد وسبعين لانك بقيت في ارض الجزيره ..
قال يوسف في مراره :
يوسف : يا سبحان الله بنزور بلدنا الاصلي الامارات ولازم انطلع تأشيره زياره.. حالنا حال الغرب... واحنا في الاساس من مواطنيها ..
قال حسن بصوت حزين :
حسن : شو انسوي ...هذا الواقع ولازم انعيشه ..
يوسف : انزين .. انا بقوم بخلص كل الاجراءات اليوم ، على أساس أسافر باجر .. يا الله فمان الله ..
حسن : فمان الله ..
***
وفي اليوم الثاني وقبل لايسافر يوسف للامارات وبالتحديد لدبي ، وقف وراء التل الصغير عند ساحل البحر القديم ، عشان يودع غايه ... يودع المكان اللي كانت فيه غايه .....
وشاف صورتها مرسومه على ماي البحر ..
ونزلت دمعه حاره من عين يوسف ..
دمعــه على الماضي البعيد ...
دمعه على أيام كانت غايه فيها هنيه ...
هنيه ..
عند ساحل البحر ....
وماكان يدري انه قاعد ايودع غايه .... وبنفس الوقت... رايح لارض اتعيش فيها غايــــه .. وكان على موعد مع القدر .. لانــــه
ساير دبي .....
ملتقى العالم ...
والمحبين ...
دبي ......
انتهى الجزء الاول ...
الحل الأخير - الجزء الثاني والاخير
بعد رحله قصيره بالمركب..وصل يوسف لدبي... واول ما حطت رجله على ارضها اتوجه مباشرة للفندق ، وارتاح فيه لمدة ساعات طويله ...... وقضى يومه كله في ارجاء الفندق ...
وفي اليوم الثاني .. اتوجه مباشرة للمحل اللي تم افتتاحه حديثا في أحد المراكز التجارية في دبي ..
واول ما دخل المحل التجاري ، سلم على كل عمال المحـل... واحد وراء الثاني ...
ولما انتهى من السلام قال لعامل منهم :
يوسف : هاه علي .. شخبار الشغل في المحل ..
جاوبه علي وبكل بثقه :
علي : الشغل تمام التمام .. والحريم ما ينقطعون ساعه عن المحل ... بس .
سأله يوسف في اهتمام واضح :
يوسف : بس شوه ؟
بصوت خافت قال علي :
علي : امم... بصراحه.. بغيت اقولك .. اني مب راضي عن أسعارنا .. لانها وايد رخيصه .... فياريت نرفعها شوي وو ..
قاطعه يوسف وهو يقول :
يوسف : وليش نرفعها ، دام ان ارباحنا جيده والحمدالله ..
جاوبه علي بهدوء :
علي : صحيح ان ارباحنا زينه والحمدلله ... لكن.. المحلات الثانيه اتحقق ارباح اكثر ، لان اسعارها اعلى .
تساءل يوسف :
يوسف : والمحلات الثانيه ، ليش ترفع اسعارها ...
جاوبه علي :
علي : لان الناس هنيه... عايشين بنعمه وخير كثير .. وبعض الحريم يوم ايشوفون قطعه ثوب حلوه وتعجبهم ، ممكن يدفعون فيها سعر عالي .
قال يوسف باستغراب :
يوسف : بس يا علي ، البضاعه تقريبا متشابهه في السوق كله ، فليش تدفع الحرمه سعر عالي ، وهيه قادره اتحصل على نفس البضاعه بسعر أرخص .
ضحك علي وهوه يقول :
علي : بعض الحريم .. ايحبون يشترون البضاعه الغاليه .. ويقولون الغالي ثمنه فيه .. مع انهم بلفه بسيطه في المحلات بيحصلون الأحسن والأرخص .... وبعض الحريم ايحبون يفتخرون بغلاء مشترياتهم .
ابتسم يوسف وهو يقول :
يوسف : وبعض الحريم مايهمهم بكم يشترون ، من كثرة الفلوس اللي عندهم .
قال علي بانفعال :
علي : عليك نور ... انته اتعرف اطباعهم اكثر مني .. فليش ما نرفع الاسعار و ..
قاطعه يوسف بهلجة صارمه وقال : .
يوسف : يا علي .. احنا ما علينا من تصرفات بعض الحريم وعقلياتهم .. أو اطماع بعض التجار وجشعهم ... اهم شي عدنا ضميرنا ... التاجر الامين هو اللي يراعي الله في بيعه وشراءه... في سره وعلانيته ... والله تعالي ايقول في كتابه (( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل )) .. ورفع الاسعار وتحقيق مكاسب كبيره بدون وجه حق .. هو نوع من أكل اموال الناس بالباطل ...
وبصوت واطي قال علي :
علي: والله ما ادري شو اقولك.... المحل محلكم ... وانتوا ادرى بمصالحكم .
ابتسم يوسف وهو يقول :
يوسف :. المهم يا علي... سير ييبلي دفاتر حسابات المحل ...
قام علي من مكانه ، وفتح خزنة المحل وطلع منها الدفاتر وقال :
علي : اتفضل يا عمي ، هذي دفاتر المحل كلها .. مسجل فيها كل شي .. المصروفات والايرادات وبكل التفاصيل ... وحتى المصـروفات النثريه اليوميه و ..
قاطعه يوسف بسرعه وقال :
يوسف : يا علي .. المصروفات النثرية اتسجلها في خانة المصروفات الكلية ... احنا ما قاعدين في شركه ولا في مكتب محاسبه عشان انسجل كل شي بدقه ..
وبأسف واضح قال علي :
علي : آسف عمي .. مره ثانيه .. بسجلها مثل ما تحب ...
وبعد اشاره من يد يوسف لعلي قال :
يوسف : انته الحين... سير شوف شغلج ، وجابل ************اين .. وانا براجع الحسابات على راحتي .
قال يوسف وهو يتحرك :
علي : انشا الله عمي ..
فتح يوسف الدفاتر ، وصب كل اهتمامه على مراجعة حسابات المحل ...
وأثناء ما كان يوسف مشغول بمراجعة الدفاتر ، دخلت حرمه للمحل ومعاها شغالتها ، ووقفت تتطالع بعض قطع الثياب المعلقه ..
وبسرعه كبيره اتحرك واحد من العمال باتجاه الحرمه .. عشان يعرض عليها خدماته ..... اذا حبت تسأل عن نوع او سعر أي بضاعه ..
ويوسف مازال مشغول بمراجعة الدفاتر ، ولما حس بعيونه اتعوره رفعها فوق عشان ترتاح من مطالعة الدفتر ، واول ما رفعها وقعت عينه على الحرمه اللي واقفه مع العامل ..
في البدايه ما اهتم ، ونزل عينه للدفتر مره ثانيه .. لكنه ما لبث ان رفع عيونه مره ثانيه... بعد رسالــه عاجله جدا من عقله .. وقلبه .. مضمونها أن الانسانه هذي ..... مهمه .... ومهمه للغايـــــــه ..
*********************
********************
كان يوسف ايراقبها بتركيز شديد ... واتشكلت صورتها اكثر واكثر في مخيلتــه ...
وبعد ثواني بسيطه .. اصحبت الصوره بكل تفاصيلها مرسومه في كيانه ...
ها الحرمه بالذات يقدر ايميزها من بين كل نساء البشر ... والسبب بسيط .. لان عينه ما شافت غيرها .. وقلبه ما حس الا فيها ....
وانتفض جسمه بالكامل وهو يطالعها .. وظل يركز عليها وعينه ما تنزل عنها ثواني ... وبدا يسأل نفسه .... معقوله... معقوله بعد هالسنين الطويله ايشوفها ... معقوله بعد ربع قرن ايشوف اغلى انسانه عنده ... غايه ..
ولثواني بسيطه ... وبعد ما خفت آثار الدهشه عنده ... ظل يوسف ايقارن بين شكلها في الماضي البعيد وشكلها الحين في الحاضر ...
في الماضي وقبل ربع قرن.. كانت تلبس ثوب وايد وايد بسيط وقديم ...
واليوم تلبس ثوب أنيق وجديد ومن اغلى وارقى الانواع ...
في الماضي .. كان الوجه صافي .. وما يعكر صفائه الا ذرات دقيقه من الغبار أو قطرات صغيره من ماي البحر ...
واليوم .. الوجه مغطى بطبقات عريضه من المكياج ومساحيق التجميل ..
واقترب يوسف اكثر واكثر من مكان وقوفها .. وسمعها تتكلم وبصوت عالي .. على عكس ما كانت في الماضي .. لانها في الماضي... كانت هاديه وصوتها ما يعلى ولا ينسمع الها حس... والحينه قاعد يسمع صوتها العالي وهيه اتكلم العامل واتقول :
غايه : اف .. شوف هذا .. كل ما أدش محل.. احصل نفس البضاعه القديمه ..
رد عليها العامل بصوت واطي :
العامل : يا مدام البضاعه هذي جديده ، ما صارلها يومين واصله ..
ردت عليه غايه بعصبيه :
غايه : أي يديده يا عمي ، نفس ها القطعه مشترتنها قبل شهرين في بوظبي .
ما عرف العامل شو ايقولها ، وعشان جذيه ادخل علي لانه اكثره خبره ودراية في التعامل مع ها النوعيه من الحريم وقال :
علي : نعم يا مدام آمري علينا ...
ردت عليه غايه من طرف السانها وقالت :
غايه : ابي قطع حلوه ..
قال علي باستغراب :
علي : القطع جدامج كلها جديده يا مدام .
قالت غايه بعصبيه :
غايه : اف.... انا ما صدقت افتكيت من غباء هذاك .. وتطلعي انته ..
قال علي بمنتهى الهدوء والادب :
علي : يا مدام البضاعه اللي عدنا من أحسن الانواع.. وبنفس الوقت سعرها مناسب .
ضحكت غايه بصوت عالي وهيه اتقول :
غايه : سعرها مناسب ؟
استغرب علي من ضحكتها وقال :
علي : هيه والله .... سعرها رخيص ، ولو لفيتي السوق كله مابتحصلين اقل من هاالسعر ..
وباستهزاء واضح قالت غايه :
غايه : ومنو قالك اني ادور بضاعه رخيصه .
اندهش علي من كلامها وهو يقول :
علي : في العاده الناس ايدورون على بضاعه زينه وبنفس الوقت سعرها معقول .
ضحكت غايه هالمره بصوت اعلى وقالت :
غايه : انا ما يهمني بضاعه غاليه ولا رخيصه ، انا اللي ايهمني اتكون جديده وحلوه ونادره في السوق ، مهما كان ثمنها ...
سكت علي فتره ، وهو يفكر ، وفي النهاية قال :
علي : مهما كان ثمنا ...
قالت غايه بحزم :
غايه : مهما كان ثمنا .
سكت علي مره ثانيه وهو يقول :
علي : والله ما ادري شو اقولج .. هذي البضاعه المتوفره عدنا ... بس ...
خزته غايه بعين وهيه اتقول :
غايه : بس شوه ..
اتردد علي قبل لايقول :
علي : اممم .. الصراحه ..احنا عدنا بضاعه خاصه .. بس هذي انييبها بطلب خاص لكبار التجار او العائلات الغنيه وايد و ..
قاطعته غايه بسرعه وهيه اتقول :
غايه : طلعها الحينه بسرعه ..
قال علي بصوت هادي :
علي : يا مدام ... للامانه اقولج ... ها لبضاعه ما تستاهل ابدا سعرها ... ومب احنا اللي نرفع سعرها .. احنا نستوردها بسعر غالي ... ومع انها جديده وحلوه .. لكنها ما تستحق ابدا سعرها .. وهيه مخصصه مثل ما قلتلج للتجار الكباروالعائلات الغنيه اللي ممكن يدفعون بدون حساب مقابل الحصول على موديلات جديده قبل الناس العاديين و ..
قاطعته غايه بصوت عالي :
غايه : ومنو قالك اني فقيره ... انا اقدر ادفع سعرها مهمن كان ..
حاول علي يقنعها وهوه يقول :
علي : يا مدام البضاعه وايد غاليه وما تستاهل و ..
قالت غايه بعصبيه :
غايه : وانته بتدفع من جيبك .. انا اللي بدفع وانا حره .. بيزاتي واصرفها بمزاجي ..
سكت علي لحظات وبعدها قال :
علي : وفيه مشكله ثانيه بعد... مشكله اكبر من سعر البضاعه ...
سالته غايه باهتمام :
غايه : مشكله مثل شوه .
جاوب علي بهدوء :
علي : احنا طالبين ها البضاعه بشكل خاص ، وبكميات محدوده ، وعاطين حريم التجار فتره محدده عشان توصل البضاعه ويستلمونها ،... والبضاعه واصله اليوم ، وفي أي وقت ممكن تسأل أي حرمه من حريم التجار عنها ، ولو ما حصلتها في المحل بتسويلنا مشكله ، ويمكن ما تتعامل مع المحل في المستقبل .. و استيراد بضاعه ثانيه بنفس المواصفات .. تحتاج لوقت طويل .. وهم ما فيهم صبر أبدا ..
ابتسمت غايه وقالت في ثقه :
غايه : انته ما عليك ، اذا سألوك عن البضاعه.. قولهم خذتها غايه بنت عبيد وهم بيتفهمون الموضوع .. وعشان تطمن اكثر بعطيك بطاقتي وفيها كل ارقامي .. واي وحده تسألك... حولها علي وانا بتفاهم وياها ... حريم التجار كلهم ربعي ويعرفوني عز المعرفه .. وما بيزعلون ابدا اذا عرفوا اني ماخذه البضاعه .
بدا الارتياح على وجه علي وهوه يقول :
علي : اذا السالفه جذيه ، تعالي معاي الدور العلوي وبراويج البضاعه الخاصه .وامري لله ..
ابتسمت غايه وهيه اتقول :
غايه : أخير بحصل على قطعه حلوه في ها السوق التعيس .
طول ها الوقت كان يوسف ايراقبها وعينه مانزلت عنها ويسمع حوارها مع علي ، واول ما اتحركت باتجاه الدرج عشان تركب للطابق العلوي ، اتحرك يوسف وراها .... وبعد ما صعدت غايه بثواني صعد يوسف وراها ..
وكان هدفه شي واحد ... غايه...
بيروي ظمأ قلبه بشوفتها ...
وبيكلمها ...
مهما كانت النتايج ...
**************************
**************************
ببطء شديد صعد يوسف على الدرج ، ولما وصل للطابق العلوي ، شاف علي وهوه مطلع مجموعه من القطع الخاصه على الطاوله ، وغايه كانت اتجلب فيهم ... كانت غايه عاطيه ظهرها ليوسف اثناء ما كانت واقفه امام الطاوله ... ورفع يوسف ايده وشاور لعلي ... واول ما شاف علي الاشاره تحرك باتجاه يوسف وقاله :
علي : نعم عمي بغيت شي .
قاله يوسف بصوت واطي وايد :
يوسف : انته انزل تحت جابل ************اين ، وخلني انا بجابل ه************ونه .
وبصوت أوطى قال علي :
علي : لا يا عمي ما يصير اتعبك وو ..
قاطعه يوسف بانفعال مكتوم :
يوسف : اسمع الكلام وانزل بسرعه ..
استغرب علي من انفعال يوسف لكنه قال :
علي : على أمرك يا عمي .
ونزل علي ، والتفت يوسف مره ثاني صوب غايه اللي كانت اتجلب قطع الثياب وتختار اللي يعجبها بهدوء ... واتجرب يوسف أكثر وأكثر .. ليما صار وراء ظهرها تماما .. وبدون ما تحس فيه بسبب انشغالها بالثياب ....
واثناء ما كانت غايه تختار واتنقي القطع ... كان يوسف يتذكر اللي صار قبل خمس وعشرين سنه... يوم كانت على ساحل البحر في الجزيره .. لحظة ما اتجرب منها وهيه تمسك الثياب وتغسلهم .. وها الشيء قاعد يتكرر الحينه جدامه ولكن بصوره مختلفه .. في الماضي كانت ماسكه الثياب القديمة واتغسلهم ..
.. والحينه... في الحاضر.. قاعده تمسك الثياب وتختار الاغلى منهم ..
وبعد ما اختارت غايه اللي تباه شلت الثياب بيدها واستدارت للخلف على اساس اتحط الثياب على الطاوله الثانيه ...
واول ما استدارت وراها اتفاجأت بيوسف واقف وارها ، مثل ما تفاجأت فيه في لقاءهم الاول عند ساحل البحر في الجزيره قبل سنين طويله لما كانت اتغسل الثياب...
وكأن التاريخ يعيد نفسه.... فرت غايه قطع الثياب الغاليه من ايدها .. مثل ما فرت ثياب الغسيل القديمه من ايدها قبل ربع قرن ... وحطت ايدها على صدرها مثل ما سوت هالشيء ايضا من قبل .... وقالت نفس الكلمه اللي سبق وقالتها في هذاك الوقت :
غايه : انته ما تستحي .....
ابتسم يوسف من تصرفها ومن كلمتها الاخيره وقال:
يوسف : نفس هالكلمة قلتيها وبنفس هالموقف قبل ربع قرن ..
اتراجعت غايه لوراها وهيه مستغربه من جرأته .. لكنها قالت في عصبيه .
غايه : انته عن شوه تتكلم .
وبلهجه هاديه ممزوجه بالحنان قال :
يوسف : أقصد انج.. مثل ما انتي ... ما تغيرتي رغم كل التغيرات الظاهره على شكلج وتصرفاتج... ياااا .... غايه .
اتفاجأت لحظة ما نطق اسمها وقالت :
غايه : انته كيف عرفت اسمي .. انته اكيد سمعتني اقوله للعامل تحت صح .
ابتسم يوسف وقال :
يوسف : انا اعرف اسمج قبل لا ينولد ها العامل .. من زمان بعيد .. من خمس وعشرين سنه او حتى اكثر ..
سألته في اهتمام :
غايه : انته منوه ...
جاوبها يوسف بهدوء :
يوسف : يوسف !..
سألته في اهتمام اكبر :
غايه : يوسف ؟ أي يوسف ؟!
رد عليها بصوت حازم وقال :
يوسف : يوسف بن شيبان ...
حست غايه بصدى اسمه يتردد في أغوار أعماقها.. وشعرت بنفضه عنيفه اتهز جسمها بكل شرايينه ... وبدون وعي... حست بصرخه قويه تنطلق من جدران قلبها... وترجمتها على شكل نبرات صوتيه عاليه اترددت على لسانها وهيه اتقول :
غايه : يوسف بن شيبان ؟!
وبصوت حزين قال يوسف :
يوسف : هيه يوسف ... يوسف اللي كان يلعب معاج وراء التل الصغير عند ساحل البحر القديم فوق ارض الجزيره ...... يوسف اللي عاش معاج احلى ايام عمره .. طفولته .. وشبابه ... يوسف اللي كان في يوم ومازال ايحبج .
وبصوت خافت ممزوج بدهشه لازالت واضحه على ويه غايه قالت:
غايه : يوسف اللي كان يحبني ومازال ايحبني ...
قال يوسف بلهجه حنونه :
يوسف : هيه... كان و ما زال وبيظل ايحبج .... وانا آسف اني أنقلج مشاعري هذي... مب من حقي اصرح فيها ... لانج اكيد الحينه على ذمة ريال .. وما يجوز انتهك حرمة ها الريال حتى لو كنت أحبج ..
ابتسمت غايه من ملاحظته الاخيره وقالت :
غايه : طول عمرك حساس يا يوسف .. وتحترم مشاعر الناس ولو على حساب مشاعرك .
يوسف : اللي ما يحس بأحساس غيره ... ما عنده احساس ..
ابتسمت مره ثانيه غايه وقالت :
غايه : هذا لو كان أصلا موجود ..
سألها يوسف باهتمام :
يوسف : شو قصدج .
ردت عليه بنبره حزينه :
غايه : الله يرحمه ..... عطاك عمره من زمان ...
نزل يوسف عينه للارض وقال :
يوسف : الله يرحمه ويغفر له ..
سادت لحظات صمت حزينه قبل لا اتقول غايه :
غايه : على العموم مشكور على ها المشاعر الطيبه ، والله ايباركلك في زوجتك وعيالك ..
وبابتسامه باهته قال يوسف :
يوسف : بس أنا مو متزوج يا غايه ، ولا اتزوجت من قبل.
استغربت غايه من كلامه وقالت بدهشه :
غايه : ما اتزوجت ؟! ليش ؟؟
اطالعها بنظره مشعه بالحب وقال :
يوسف : يا غايه .. انا ما وعدج بيوم اني ما اكون لغيرج .... طال الزمن أو قصر ..
حست غايه باضطراب عنيف بمشاعرها بعد كلمة يوسف الاخيره ، ونزلت عينها في الارض حياءا وخجلا منه ... وحاولت اتغير الموضوع باي شكل وعشان جذيه قالت :
غايه : آآآ ، اقعد يا يوسف .. تراني مشتاقه وايد للجزيره وأخبار اهل الجزيره.... سولفي عنها وقالي شو صار فيها بالتفصيل من ساعة ما طلعنا منها... ولين اليوم..
اتحرك يوسف ، وحمل معاه كرسين ... قعدت غايه على الكرسي الاول.. وقد هوه على الكرسي الثاني ... وبعد لحظات صمت قصيره قال يوسف :
يوسف :... شو اقولج يا غايه .. عشنا ايام شده وكرب اثناء وبعد الاحتلال ... بعد حوالي سنه من طلوعكم من الجزيره .. وبتاريخ الثلاثين من نوفمبر سنه واحد وسبعين .. وبالتحديد الساعه خمس ونص الصبح .. اتفاجأنا بطيارات ( فانتوم ) تحوم حول الجزيره ... وتطلق قنابل مسيله للدموع على البيوت .. وبعد دقايق شفنا مجموعة سفن من القطع البحريه للاحتلال ... وبعدها دخلت مجموعة من جنود الاحتلال الجزيره واشتبكوا مع الشرطه المحليه للجزيره .. وتمكنت شرطة الجزيره من قتل ضابط للمحتلين .. لكنهم ما صمدوا وايد بسبب قلت امكانياتهم ونفاذ ذخيرتهم .... وبعد ما سيطر المحتلون على الجزيره .. طلعوا كل السكان من البيوت وبدوا ينهبونها .. وخلوا السكان واقفين في الشمس ساعات طويله ... وبعدها شحنوا السكان وحملوهم بالغصب في مراكب ... ورحلوهم قسريا لامارة راس الخيمه والشارجه . ** ((( كل ماذكر احداث حقيقية ))) **.
قاطعته غايه وهيه تتساءل :
غايه : وانته كيف ظليت في الجزيره بعد ما رحل كل او اغلب السكان من الجزيره .
قال يوسف بصوت هادي :
يوسف : ابوي الله يرحمه وبعض التجار .. اتفاوضوا مع قوات الاحتلال واصروا ان يظلون في الجزيره بسبب مصالحهم الكبيره فيها.. مقابل انهم ايدلون قوات الاحتلال على اماكن الذهب اللي كانوا مخبينها ، ووافقت قوات الاحتلال على بقائهم بشرط ان اللي يظل ياخذ جنسية بلد المحتلين .. وبالتالي ما بقى في الجزيره الا قليل من العائلات اللي تنعد على الاصابع ..
سكت يوسف لحظات.. وبعدها تابع :
يوسف : لكن قوات الاحتلال ما وفت بكل وعودها .. فبعد حصولنا على جنسيتهم ، وحصولهم على كل ذهبنا .. سلبت منا كل اراضينا وعقاراتنا وثروتنا .. وهذا اللي ما تحمله الوالد ، .. ومات بعد ايام من كثر القهر والغصه والذل .. ولحقته الوالده بعد ايام قليله ...
قالت غايه متساءله :
غايه : وليش ما جيت الامارات بعد وفاة ابوك ..
ابتسم يوسف وهو يقول :
يوسف : اول شي انا ما اقدر ابدا افارق الارض اللي عشت فيها .. الارض اللي شفتج وحبيتج فيها .. وكان الموت اهون علي من فراقها .. وبعدين انا كنت حاصل على جنسية دولتهم .. واتحاد الامارات قام بعد يومين من الاحتلال ..والناس بدوا يحصلون جنسياتهم .. صحيح ان راس الخيمه اتاخرت حوالي شهرين وثمان ايام للانضمام للاتحاد .. لكني ما قدرت ابدا مفارقة جزيرتي ...
حست غايه بغصه والم يعتصرون قلبها ، وحاولت اتغير ها الموضوع المؤلم قالت :
غايه : آآآ يوسف .. شخبار صاحبك حسن .. اللي كان يلعب معانا يوم كنا صغار ..
ابتسم يوسف وهو يقول :
يوسف : بخير وعافيه .. وحسن من الناس القليلين اللي ظلوا في الجزيره .. والحين هوه شريكي في كل محلات الثياب بما فيها هذا المحل ..
ابتسمت غايه يوم عرفت هالاخبار عن حسن وتابعت :
غايه : وهذاك الولد الاسمر... اربيعك الثاني ... شو اسمه ... توه على بالي ... هيه ... هذاك ولد سهيل خميس ..اعتقد...
اتغيرت ملامح يوسف يوم سمع اسم ها الشخص وقال :
يوسف : قصدج (( سالم ولد سهيل خميس )) ..
اتفاجأت من تغير لهجته وسألته بصوت واطي :
غايه : ليش شو فيه ..
و بصوت يحمل كل معاني المرارة قال :
يوسف : (( سالم سهيل خميس )) كان ضمن افراد الشرطه المحليه للجزيره .. وكان اول من استشهـــد فيهــــا ..... ** استشهد في (( 30 / 11 / 1971 )) **
نزلت غايه راسها للارض في تأثر .. وحاولت تمسك دمعه تتهرب من عيونها ... ولاحظ يوسف تأثرها ، فحاول تغير الموضوع وقال :
يوسف : خلينا من ها السالفه وقوليلي عن كل اللي صارلج من يوم ما وصلتي الامارات ليما اليوم ..
عدلت غايه من جلستها وظلت لحظات تستجمع ذكرياتها واترتب احداثها وفي النهاية قالت :
غايه : بعد وصلنا دبي في سنه سبعين.. سكنا في البيت اللي عطانا اياه ابوك ... واشتد المرض على ابوي اكثر بسبب حالته النفسيه السيئه بعد مافارق ارضه في الجزيرة .. وعشنا ايام صعبه .. واحنا ما لقين لقمة عيشنا ....
و بعد حوالي شهر .. اتقدم لي واحد من اللي عرفهم ابوي في دبي ... وكان ريال طيب لكنه اكبر مني بحوالي عشرين سنه ... واضطريت اني اوافق عليه بسبب حالتنا الماديه الصعبه ....
وفعلا .. الريال كان كريم ... وما قصر علينا بشي ... وكان يصرف علي أنا وابوي لان ابوي ما كان يقدر يطلع البحر ... وانجبت منه بعد سنه بنتي الاولى نوال .. وفي السنه الثانيه انجبت بنتي الثانيه مريم ..
سكتت غايه لحظات وهيه شارده الفكر .. وكأنها تسترجع بصعوبه ذكريات قديمه ما كانت اتحب تذكرها ، لكنها استمرت وقالت :
غايه : بعد خمس سنوات من زواجنا اتوفى زوجي بمرض خبيث... وقررت اني اتفرغ لتربية البنات فيما بقى من عمري ..
قاطعها يوسف بأدب وقال :
يوسف : آآ ممكن اسأل سؤال بسيط ..
قالت غايه باهتمام :
غايه : اتفضل ..
اتردد يوسف قبل لايقول :
يوسف : واضح على هيئتج وشكلج وحتى تصرفاتج .. الخير والنعمه .. فممكن اسأل كيف رزقكم الله اياها ...
ابتسمت غايه وهيه اتقول :
غايه : مثل ماقلت ... رزق من الله اولا... و...أبــوك ثانيا ..
اتفاجأ يوسف يوم سمع سيرة ابوه وقال :
يوسف : ابوي ؟!
ابتسمت غايه ابتسامه أكبر وهيه اتقول :
غايه : اتصور عاد أبوك اللي طردنا شر طرده من ارضنا بحجة انا فقارى وما نصحله هو السبب بعد الله في غنانا ...
سكتت غايه لحظه قبل لا اتابع :
غايه :.. بعد الاتحاد .. حصلنا على جنسية الدوله .. ومع انتشار الثوره النفطيه اللي عمت كل ارجاء البلاد ... بدت مشاريع عمرانيه ضخمه في كل انحاء الدوله .. ودبي كانت من ضمنها .. ومن حسن حظنا او بالاصح توزيع ارزاق من ربنا .. كان البيت اللي عطانا اياه ابوك واقع في منطقه تجاريه مهمه وحساسه .. وعلى ها الاساس سحبوا منا البيت وبنوا على مكانه عماره ضخمه وسجلوا العماره باسم ابوي على اساس انه مالك الارض الاصلي .. ودرت علينا العماره مدخول كبير.. ومع مرور السنين اشترى الوالد عقارات ثانيه وثالثه .. وبنى عمارات كثيره .. واتوسعت اعماله .... وأسس شركات كبيره .. ليما صار في النهايه من تجار دبي المعروفين ..
ابتسم يوسف في دهشه وقال :
يوسف : يا سبحان الله .. كأن الله تعالى... نزع الثروه والغني من ابوي واعطاه لابوج .. وجعل ابوي السبب الرئيسي في غناه ... سبحان الله .... ليتك دريت يا بوي ان الغنى والرزق بيد الله وحده يمنحه من يشاء وينزعه ممن يشاء وبغير حساب ..
مرت لحظات صمت بعد كلمات يوسف الاخيره ما قطعها الا يوسف لحظة ما قال :
يوسف : الا ... شخبار عمي عبيد ، عساه بخير وعافيه ..
بدا التاثر على ويه غايه وهي اتقول :
غايه : ابوي اتوفي قبل سنتين يا يوسف .
شاركها يوسف مشاعرها الحزينه وقال :
يوسف : الله يرحمه ويغفر له ... صدق كان ريال طيب ..
قالت غايه بآسى :
غايه : بس اتصدق يا يوسف .. رغم كل اللي حققاه أبوي في دبي من ثروه وغني وعشرات الملايين ... كان يتمنى يندفن بالارض اللي انولد فيها .. هناك على ارض الجزيره .. بس انته عارف زين .... سلطات الاحتلال تمنع مواطني الدوله من الدخول للجزيره.
قال يوسف بصوت خافت :
يوسف : هيه ادري ..
صمت يوسف فتره ومن ثم قال :
يوسف : الا ما خبرتيني عن بناتج .. اكيد الحين كبروا وصاروا عرايس ..
ابتسمت غايه وهيه اتقول :
غايه : البنت العوده نوال ... انولدت بتاريخ اثنين ديسمبر سنه واحد وسبعين .. يعني في نفس يوم الاتحاد ...وكنا دايما انسميها بنت الاتحاد ...
البنت هاي اتخرجت قبل سنتين من الكليه ، وعرست قبل سنه تقريبا .. وماخذنها ولد واحد من المسؤلين الكبار في ابوظبي.. وريلها نفسه ماسك منصب مهم وحساس في بوظبي ..وهيه عايشه معاه في ابوظبي ...
اما البنت الثانيه ... مريم .. فاتخرجت السنه الماضيه .. واتزوجت قبل شهرين بس .. وما خذنها واحد من العين .. وعايشه معاه هناك ..
قاطعها يوسف وقال :
يوسف : يعني انتي عايشه بروحج في البيت الحينه ؟!
قال غايه بصوت حزين :
غايه : هيه والله ...عايشه بروحي .. انا والخدم ...
سألها يوسف باهتمام :
يوسف : عيل.... شو اتسوين طول الوقت ..
ابتست غايه وهيه اتقول :
غايه : ما بتصدق شو اسوي .. طول اليوم الف الاسواق واشتري ... اشتري أي شي... المهم اني اشتري .. اشتري مهما كان الثمن غالي ... وما ببالغ اذا قلتلج اني قاعده اصرف بوحشيه .. ما ادري ليش .. ممكن انتقاما من سنين الفقر والحرمان اللي عشتها ... ويمكن ...
سكتت غايه بعد كلمتها الاخيره وهذا اللى خلى يوسف يسألها :
يوسف : ويمكن شوه ..
ركزت غايه عينها في عيون يوسف بعمق وهيه اتقول :
غايه : ويمكن احساسي بفقدان الحب والحنان .. هو اللي خلاني انسانه ثانيه .. انسانه عايشه بدون هدف .. بعد ما حققت هدفي المرحلي بتربية بناتي وتزويجهم...، يا يوسف ... انا عايشه بفله عريضه وطويله .. لكن بدون روح ولا احساس .. كان خاطري اعيش لحظة حب مع انسان احبه ولو يوم واحد بحياتي .. صحيح ان زوجي كان ريال طيب وما قصر علي بشي .. لكني ما حسيت بطعم الحب معاه ابدا ... صدقني يا يوسف عمري ما حسيت بالحب الا معاك .. وبرغم مروركل ها السنين الطويله .. حبك مازال حي بقلبي .. احسه ساكن بصدري.... يتحرك بجسمي .... مع كل نبضه من نبضات قلبي ....
مرت لحظات صمت طويله بعد كلامها الاخير .. واتلاقت عيونهم لفتره مب قصيره .. وما قطع لحظات الصمت الرهيبه الا يوسف لحظة ما قال :
يوسف : وليش نحرم نفسنا اكثر من جذيه .. مب كفايه سنين الحرمان الطويله ... خلينا انعيش حياتنا فيما بقى من أجلنا ...
سألته غايه بدهشه :
غايه : شو قصدك يا يوسف .
وبنظره حنونه من عين يوسف قال :
يوسف : ما حان الوقت يلتم شملنا من جديد بعد سنين الفراق الطويله.. ، وانعيش مع بعض في بيت واحد وتحت سقف واحد ...
حست غايه بفرح شديد يتغلغل بكيانها ، لانها فعلا كانت اتفكر نفس تفكيره... لكنها اتفاجأت بالحياء والخجل ايهل عليها... والحياء دايما ايزورها بها المواقف .. وعشان جذيه قالت :
غايه : يا يوسف .. تبانا نتزوج بعد ها العمر الطويل ...
ابتسم يوسف وقال :
يوسف : يا غايه .. انتي بنفسج قلتي .. خاطري اعيش لحظة حب مع انسان احبه .. ولو يوم بحياتي ... وبعدين احنا مب كبار لها الدرجه .. بعدنا في بدايه الاربعين .. يعني في مرحلة شباب متأخر .. وو
قاطعته غايه وهيه اتقول بخجل :
غايه : بس ... كيف اقنع بناتي بزواجي .. مالي ويه اخبرهم ... صعب اني اقولهم بتزوج عقب ابوهم ..
قال يوسف بهلجه هاديه :
يوسف : يا غايه .. انتي ما قصرتي معاهم ابدا .. ربيتيهم وعلمتيهم ... وزوجتيهم .. وانتي بعدج صغيره وعايشه بوحده وفراغ ..ومن حقج اتعيشين حياتج حالج حال كل البشر..وبناتج متعلمات.. واكيد بيقدرون ها الشي تماما ..
سكتت غايه قبل فتره قبل لا تقول :
غايه : والله ما ادري شو اقول و..
قاطعها يوسف وقال :
يوسف : لا تقولين شي .. خلينا انعيش حياتنا في حب وسعاده .. خيلنا انودع الاحزان وانعيش بعالم من الاشجان والرضى والامان .. خلينا نتزوج ونرجع لارضنا هناك في الجزيره ونلتقي وراء التل الصغير عن ساحل البحر القديم ..
قاطعته غايه وقالت :
غايه : وكيف اقدر ادخل الجزيره وهم مانعين مواطني الدوله من دخولها .
رد عليه يوسف بثقه :
يوسف : انا بدبر ها الامر مع سلطاتهم .. وبيعتبرونج حاله خاصه لانج اولا حرمه والشي الثاني لانج بتكونين زوجتي ، وانا احمل جنسيتهم.
سكتت غايه لفتره ويوسف يتريا الجواب على بركان من نار .. وقال بصوت مبحوح وهو يتوسل لها :
يوسف : ارجوج يا غايه ... فكري زين يا غايه ... ارجوج فكري ..
ما كانت غايه بحاجه للتفكير .. لان حماسها ما يقل ابدا عن حماسه ، وان كانت اتعاند واتكابر .. وعشان جذيه قالت :
غايه : اتمنى اكون معاك اليوم قبل باجر ..بس
سكتت فتره وبعدها قالت :
غايه : الله يعطيني الشجاعه والجرأه واقدر اخبر بناتي .
وبلهجه حانيه قال يوسف :
يوسف : اتوكلي على الله وبتحسين بالعزيمه تسري في عروقج .
نزلت غايه عينه للارض وقالت :
غايه : بحاول .. انشا الله بحاول ...آآآ اسمع انته كم يوم بتم في دبي ..
يوسف : تقريبا اسبوع واحد ...
حركت غايه ايدها وهيه اتقول :
غايه : المده قصيره وايد ... انا لازم اتحرك بسرعه ... انا باجر الظهر بسير بوظبي عند بنتي العوده نوال ... وبحاول امهد الها الموضوع واخبرها بطريقه سلسه بحيث ما تنجرح مشاعرها ... واذا اقتنعت نوال .. بتقتنع اختها مريم .. لان مريم تحترم اختها وايد .. ودايما تاخذ برايها ومشورتها ..
قال يوسف بارتياح :
يوسف :اللي فيه الخير يقدمه ربج .. وانا على الانتظار ... واذا بغيتيني بأي وقت .. اتصلي بالمحل وهم بيحولونج علي ..
وبنفس اللهجه قالت غايه :
غايه : وانا بعد .. اذا بغيتني .. ارقامي موجوده عند العامل تحت .. وان انشا الله برد عليك خبر باسرع وقت ممكن ....
وبعد كلمتها الاخيره ساد الصمت المكان ، وسرحوا الاثنين في عالم من التفكير ... يوسف يفكر في حياته اليايه .. الحلم جرب انه يتحقق .. اخيرا بيجتمع مع غايه ... اخيرا بيقعد معاها هناك .. وراء التل الصغير عند ساحل البحر القديم ... اخيراأ ..
وغايه ... ما اختلف تفكيرها كثيرا عن يوسف .. وان شابه القلق والتوتر بسبب المهمه الصعبه اللي تترياها ... كيف اتخبر بناتها .. بناتها اللي عادينها ام مثاليه ووفيه لذكرى ابوهم ...اتعرس ... لكن لا ... من حقي اعيش حياتي واتمتع في الباقي من عمري حالي حال الخلق ...
وعند هالنقطه... اتوقف تفكيرها .. وبدت تستعد لليوم الثاني ... بكل ما فيه من أحداث وأقدار .......
*****************
*****************
في اليوم الثاني ... وعند الساعه وحده الظهر تقريبا .. كانت غايه قاعده في فلتها ... فلتها المبنايه على ارض عوده ... شاسعه... ممتده على مرمى البصر ... ومبنى الفله نفسه كان تحفه معماريه ... تصميم في منتهى الروعه ... صممه اكبر المهندسين وابرعهم ... ولحظة ما تدخل الفله تبهرك بفخامة ديكوراتها ، والتحف الأثرية في ممراتها .. واللوحات الفنيه على جدرانها ...
وفي ها اللحظة كانت غايه قاعده في صاله من صالات البيت الكثيره .. اللي منتشره في الدور الارضي والدور العلوي ....
ورغم انها قاعده في فله واسعه وايده وتتوافر فيها كل سبل الرفاهيه والترف .. الا انها... كانت حاسه بضيق .. وضيق شديد .... ضاقت عليها الفله بما رحبت ...
والسبب معروف ..لانها عايشه بروحها بها الفله العملاقه وبدون اهل ... بناتها اتزوجوا وعاشوا في امارات مختلفه .. وخلوها بروحها .... وجنه بدون ناس ما تنداس ..... وعشان جذيه ... كانت تتريا بفارغ الصبر سيرتها لبوظبي عشان اتخبر بنتها نوال بأهم موضوع بحياتها ... موضوع زواجها من يوسف .. السيره اللي حددت موعدها في الساعه ثنتين الظهر.. وخبرت السائق ايجيها في ها الموعد ويوصلها بيت بنتها في بوظبي ...
واثناء ما كانت اتفكر .. اتذكرت انها ما صلت صلاة الظهر .. وعلى طول اتناولت سجادة الصلاه .. ولفت الشيله البيضاء حول جسمها .. وبدت اتصلي .. وصلت بخشوع ... وخشوع شديد .. وكأنها تتوسل لربها بان يمدها بالشجاعه والعزيمه عشان اتخبر بنتها .....
وصلت الركعات الاربع ، واول ما انتهت من الصلاه وسلمت التسليمه الاخيره ... سمعت صوت من خلفهـــا ايقــــول : حرمـــن ..
التفت غايه لمصدر الصوت ، واول ما شافت صاحبة الصوت ابتسمت بفرح وقالت :
غايه : نـــوال ! انتي هنيه .. متى ييتي ؟! .
اتحركت نوال باتجاه امها وحبتها على راسها وهيه اتقول :
نوال : تونيه واصله قبل دقيقه ..
اتساءلت غايه :
غايه : وليش ما خبرتيني انج يايه اليوم ..
ردت عليها نوال بابتسامه اكبر وقالت :
غايه : الصراحه يا امي .. انا يايه دبي عشان اسير الصالون ... لان عرس ربيعتي علياء مال بوظبي اليوم .. فانا ييت مع اربيعتي الثانيه كوثر عشان نتعدل في الصالون هنيه وبعد ما انخلص بنسير بوظبي وبندخــل صالة العرس ..
قالت غايه باستغراب :
غايه : عيل وين اربيعتج كوثر ما اشوفها معاج ..
ردت عليها نوال بسرعه :
نوال : كوثر نزلتها في الصالون قبل شوي ، لانها بتتعدل قبلي .. وانا قلت باستغل الفرصه واقعد معاج ها الساعتين ليما اتخلص كوثر وبعدها بسير الصالون ..
ابتسمت غايه وهيه اتقول :
غايه : يعني يايه عشان الصالون ...ما يايه عشان امج ..
ردت عليها نوال بابتسامه وقالت :
نوال : لا يا اميه... افا عليج ... انتي الخير والبركه .. انا ما صدقت حصلت فرصه اشوف فيها يا احلى ام في الدنيا كلها ...
حست غايه بحنان كبير اتجاه بنتها وقالت :
غايه : الله لا يحرمني منج يا بنيتي .. واتصدقين ... انا كنت ناويه اييلكم اليوم ، وفعلا كنت مخبره السايق ايمر علي بعد ساعه ..
ضحكت نوال وهيه اتقول :
نوال : شفتي عاد ... وفرت عليج مشوار بوظبي ... ومع هذا.. ابيج اتشلين اغراضج وترجعين معاي بوظبي ...
حركت غايه راسها بأشارة النفي وقالت :
غايه : انا كنت ناويه اقعد معاج ساعه وارجع ... والحينه خلاص... انتي بتمين ساعتين عندي ... بس ..
قاطعتها نوال :
نوال : بس شوه ..
اتساءلت غايه :
غايه : ابي اسألج يا نوال ... يعني ...ما شي صالونات في بوظبي عشان تقطعين ها الخط الطويل .. وبعدين انتي حامل يا بنتي والطريج تعب عليج ..
ومع ابتسامه عريضه قالت نوال :
نوال : يا امي ... انا متعوده على ها الصالون... تعديله وايد اوكيه ... اما بالنسبه للحمل فانا بعدني في الشهر الرابع ... وبوظبي جريبه ... وانا يايه بالسياره مب مشي ..
سكتت غايه لحظات قبل لا تقول :
غايه : آآ نوال انتي الحين سيري اقعدي في الصاله الثانيه وانا دقيقه ببدل ثيابي وبييلج ..
حركت نوال راسها باشارة الايجاب وقالت :
نوال : انزين ...
قامت غايه من مكانها ، ومسكت الشيله البيضه وحطتها في سجاده الصلاه ، ولفتها لفه كامله .. وحطتها بصندوق صغير مخصص الها .. واتحركت باتجاه غرفتها وبدلت ثيابها .. واتجهت صوب الصاله اللي قاعد فيها بنتها .. واثناء ما كانت تمشي .. حست برجفه في جسمها ... لانه جاء الوقت اللي بتفاتح فيه بنتها..
وهيه ما تدري شو بتكون ردة فعلها ... موقف صعب .. في العاده البنت هي اللتي تستحي يوم اتكلم أمها اذا حد اتقدم لخطبتها .. ها المره العكس .. الام هي اللي بتقول لبنتها ( يا يني معرس !! ) ....
واول ما قعدت غايه على الكرسي قالت بصوت هادي :
غايه : آآآ نوال ... بغيتج بموضوع مهم ..
ابتسمت نوال وهيه اتقول :
نوال : ما يحتاي اتقولين... انا عارفه الموضوع .
استغرب غايه من كلامها وسألت :
غايه : عارفه الموضوع ؟! عارفه شوه ؟
ردت عليها نوال بهدوء :
غايه : انتي اكيد وافقتي... صح ، وعشان جذيه تبين اتخبريني .
ازدادت دهشة غايه وهيه اتقول :
غايه : موافقه على شوه ؟!
وبصوت اعلى قالت نوال :
نوال : اووه يا امي .. كأنج نسيتي شو قلنا المره الماضيه ... انا ما قلتلج تعالي عيشي معاي في بوظبي بدل العيشه هنيه بروحج .. وانتي رفضتي .. ويوم الحيت عليج.... قلتي بفكر ... واكيد الحينه فكرتي واقتنعتي بكلامي .
انتهت دهشة غايه فقالت :
غايه : انا قلتلج من قبل .. ما يصير اطفل عليكم واعيش معاكم .. مهمن كان.. الريال ما يحب ابدا حد ايشاركه في بيته... حتى لو كانت ام زوجته ..
قاطعتها نوال وهيه اتقول :
نوال : هيه بس طارق موافق ويرحب فيج بعد وو ..
وبلهجة اشد قالت غايه :
غايه : حتى لو كان موافق .. مستحيل اقعد معاكم .. بيتكم لكم انتوا بس .. وهذا آخر كلام عندي ...
سكتت نوال فتره قبل لا تقول بصوت واطي :
نوال : عيل .. شو الموضوع المهم اللي تبيني فيه ..
حست غايه ان السانها مربوط ، والكلمات محبوسه بحلقها ، وما عرفت من وين تبدأ ولا شو اتقول ... لكنها قالت :
غايه : بسألج يا نوال ... انا بحياتي قصرت عليكم بشيء او منعت عنكم شي ..
وبدهشه واضحه جاوبت نوال على سؤالها :
نوال : لا يا اميه بالعكس .. انتي طول عمرج ما مقصره معانا بشي .. ربيتينا احسن تربيه .. وعلمتينا احسن تعليم .. وزوجتينا من احسن الرياييل .. ومهما انسوي طول عمرنا... ما نطلع من جزاج ....
ارتاحت غايه يوم سمعت ها الكلام وقالت :
غايه : الحمد الله .
ردت عليها نوال بسرعه وقالت :
نوال : بس ... شو مناسبة ها لكلام الحينه .. وشو علاقته بموضوعج ..
سكتت غايه فتره مب قصيره ، وكأنها تستجمع كل الشجاعه اللي عندها وفي النهايه قالت :
غايه : يا نوال انتي عارف اني عايشه بروحي بعد ما مات جدج.. الله يرحمه ، وانتي عارفه بعد ان المرحوم ابوج مات من زمان .. يعني من عشرين سنه .. وانا فرغت عمري لتربيتكم طول ها السنين .. لكن الحين بعد ما اطمنت عليكم ... من حقي اني اعيش حياتي في فيما بقى من عمري ..
سالتها نوال بدهشه اكبر :
نوال : شو تقصدين يا امي... ما فهمت .. يعني كيف اتعيشين حياتج ..
حست غايه برجفه تنتشر باطراف جسمها...لحظة ما وصلت لها النقطه بالذات ، لكنها قررت اتصارح بنتها بشكل مباشر واللي فيها فيها .. فقالت :
غايه : بصراحه يا نوال ... في واحد طالب ايدي ...يعني يبى يتزوجني ..
فزت نوال من مكانها يوم سمعت ها الكلام ، وظلت ساكته فتره وهيه تتطالع امها بنظرات غريبه وبعدها قالت بانفعال وعصبيه :
نوال : بتعرسين ؟! بتعرسين وانتي بعمرج هذا؟! ... وابوي .. نسيتي المرحوم ابوي ... هانت عليج العشره .. نسيتي ذكرى ابوي ..
قاطعتها غايه بصوت عالي :
غايه : اول شي انا مب عيوز .. انا بعدني صغيره .. انا يوم اتزوجت ابوج قبل خمس وعشرين سنه كان عمري 16 سنه .. يعني الحين عمري واحد واربعين سنه ... يعني بعدني في شبابي .. وانتي اكثر عن مره قلتيلي ان صديقاتج يتحروني اختج مب امج .. وبالنسبه لابوج ... فذكراه بعدها عطره عندي وما نستيه ولابنسى طيبته طول عمري .... لكن الحي ابقى من الميت.. والحياه لازم تستمر ... ومثل ما قلتلج من حقي اعيش حياتي بعد ما أمنت الكم مستقبلكم ..
ادركت نوال ان كلام امها منطقي .وعشان جذيه سكتت لحظات اتفكر . ثم ما لبثت ان سألت امها :
نوال : وها الريال وين شافج .. وكيف عرفتيه..
جاوبت غايه بثقه :
غايه : ها الريال كان جارنا هناك في الجزيره اللي كنا عايشين فيها ، قبل لا نهاجر منها انا وجدج وانعيش في دبي .، وها الريال وايد محترم وخلوق وولد ناس معروفين في الجزيره .. وها الريال ظل موجود في الجزيره بعد الاحتلال وما هاجر منها ... واليوم شفته بالصدفه في محله بدبي .. وطلب ايدي .. وانا ارتحت له ووافقت عليه ..
صرخت نوال في امها وقالت :
نوال : من الجزر .. اهل الجزر ناس فقارى .. واخاف ايكون طمعان في ثروتج وبيزاتج و ..
ابتسمت غايه بعد كلام نوال الاخير وقالت :
غايه : يوسف ؟! يوسف آخر واحد في الدنيا ممكن يطمع في ثروه او مال ..
صرخت نوال بصوت اعلى و بدون وعي ولا تفكير للكلام اللي اتقوله :
نوال : يا امي انتي بتضيعين ثروتنا و...
سكتت نوال فجأه بعد كلمتها الاخير ، وحست بالندم يعتصر قلبها ، واللي زاد من ها الشعور نظرة امها الحاده واللي انصبت عليها مثل النار .. وسمعتها اتقول :
غايه : انا بضيع ثروتكم يا نوال .. انيت نسيتي اني وارثه كل ها الثروه من جدج... وانه مالكم حق فيها طول ما انا عايشه ... ومع هذا اطمني .. انا كتبت ثلث الثروه لج انتي ، والثلث الثاني لاختج مريم ، وخليتلي الباقي .. واذا تبون انا مستعده اتنازلكم عن الباقي وعن كل الثروه بشرط انكم اتخلوني اعيش الباقي من حياتي في سعاده وأمان مع انسان ارتاحله ويسليني طول عمري ...
نزلت نوال عينها للارض وما قدرت اتحطها بعين امها من شدة الخجل والحسره والندم على اللي قالته ، وعشان جذيه رمت نفسها في احضان امها والدموع اتسيل من عينها وقالت:
نوال : انا آسفه يا اميه .. حقج علي .. انا ما كنت اقصد والله .. دخيلج سامحيني .. انتي الخير والبركه ... احنا من غيرج ما نسوى شي .. ارجوج.
داعبت غايه باصابعها خصلات صغيره من شعر نوال وقالت بحنان :
غايه : يا نوال انتي بنتي ... والام ماتزعل من بنتها... مهما سوت ..
وعلى الرغم من الدموع... ابتسمت نوال وقالت :
نوال : الله لايحرمنا منج يا امي.. طول عمرج قلبج كبير...
ومره ثانيه حظنت غايه بنتها بصوره أشد وهيه اقول :
غايه : ولا يحرمنا منج يا بنتي ..
وسادت لحظات حنان وصمت في ها الوقت .. ما قطعها الا صوت غايه وهيه اتقول :
غايه : والحينه يا نوال شو قلتي .. موافقه أو لا..... على زواجي ..
هزت نوال راسها باشارة الايجاب والقبول وهيه اتقول :
غايه : هيه .. اللي ايريحج اريحنا ..
ابتسمت غايه وهيه اتقول :
غايه : من قلبج يا نوال ..
وبانفعال صادق قالت نوال :
نوال : من كل قلبي يا امي .. وبالنسبه لاختي مريم لا تحاتين .. انا اعرف كيف اقنعها ...
في ها اللحظه بالذات حست غايه بسيول من الفرحه والسعاده تسري في كل عروق جسمها ... وما قدرت تكتم عبرتها .. ونزلت دموع الفرحه للمره الثانيه .. بعد ما نزلت للمره الاولى .. هناك .. على ارض الجزيره عند النخل القديم ، وقبل ربع قرن يوم طلب منها يوسف الزواج ....
اخيرا الحلم بيتحقق ... صحيح انه اتأخر سنين .. وسنين طويله .. لكنه في النهايه بيصير واقع ...
اخيرا ... برجعلك يا يوسف .. وبفرغ بحار حبي في شرايينك ..و
حست غايه بايد اتحركها واتقول :
نوال : اميه شو فيج سرحتي ..
صحت غايه من احلام يقظتها وقالت :
غايه : لا.. ما شي ... نوال .. بغيتج اتخبرين ريلج طارق عن ها الموضوع اليوم..
اتساءلت نوال عن مغزى كلام امها فقالت :
نوال : ريلي طارق ؟! وطارق شو خصه ؟ ها الموضوع خاص فينا بس ..
ردت عليها غايه بلهجه عاليه شوي :
غايه : يا نوال .. انتي عارفه انه ما عدنا ريال في البيت .. وطارق يستوي ريل بنتي العوده .. يعني لازم يستقبل يوسف ويتفق معاه على كل تفاصيل الزواج ..
قالت نوال بعد ما خفت عنها آثار الدهشه :
نوال : ايوه... صح كلامج .. طارق بمقام ولدج وهوه ريال البيت بعد وفاة جدي الله يرحمه .. انا بكلمه باسرع وقت ممكن ، وبخليه يتصل بيوسف ويتفق معاه على كل التفاصيل .. أي اوامر ثانيه ..
ضحكت غايه وهيه اتقول :
غايه : ما يامر عليج عدو .. بس .... كلميه اليوم لو قدرتي ..
ضحكت نوال بخبث وهيه اتقول :
نوال : وشو فيج مستعيله يا الحلوه ... ها الكثر العرس حلو .. اركدي واثجلي ... ترا الركاده زينه ...
احمر ويه غايه ونزلت راسها من كثر الحياء وهيه اتقول :
غايه : استحي على ويهج ... انتي نسيتي اني امج ...
ومع ضحكه عاليه قالت نوال :
نوال : لا ما نسيت .. وعشان جذيه .. ان اليوم ..واول ما ارجع من العرس .. بكلم طارق بها الموضوع... احنا كم أم عدنا ..هيه وحده .. أم نوال ..
وللمره الثالثه ضمت غايه نوال لصدرها بقوه وقالت :
غايه : وانا كم بنت عندي ... ما عندي في ها الدنيا غيرج انتي واختج .. الله لا يحرمني منكم ...
ورجعت غايه مره ثانيه لعالم الاحلام .. احلام اليقظه... وقعدت ترسم صوره جميله لمستقبل مشرق .. ولغد أفضل ...
وبعدها رفعت سماعة التلفون ... وزفت ليوسف ها الخبر السعيد ... اللي ما صدق ما تسمع اذنه .. وطاحت السماعه من ايده من شدة التأثر والفرح ...
******************
******************
بعد ما رجعــت نوال من العرس بالليل.. اتجهــت مباشرة لبيتهــا بمنطقــة ( المشرف ) في ابوظبي .. واول ما دخلت غرفتها شافت الساعه اللي معلقه على الجدار الايمن من الغرفه ، ولاحظت انها تشير للساعه وحده بالليل .. وعلى طرف الغرفه الايسر كان ريلها جالس على كرسي وهوه يتصفح احد المجلات .. وعلى طول قالت :
نوال : السلام عليكم .
رد عليها ريلها ببرود :
طارق : وعليكم السلام ... ليش متأخره ها الكثر ..
ردت عليه نوال بانفعال:
نوال : شو انسوي .. نزلوا العروس متأخره ... اتصدق نزلوها الساعه ايدعشر ونص .. وليما يابوا المعرس استوت الساعه اثنعشر ونص ..
رد عليها طارق بصوت اعلى شويه :
طارق : لازم يعني اتشوفون المعرس .. شان شفتي العروس وسلمتي عليها وطلعتي ..
رد عليه نوال بهلجه اكثر انفعالا :
نوال : شو اسوي .. ربيعتي أصرت اني اشوف ريلها و .
قاطعها طارق وهوه يقول :
طارق : خلاص خلاص فكينا من ها السالفه ... سيري الحينه وامسحي هالبلاوي اللي على ويهج ..
استجابة نوال لكلامه وهيه اتقول :
نوال : انزين على امرك ..
وبعدها .. وقفت نوال امام المنظره فتره طويله .. وهيه اتبطل وأتفك جيش من المشابك والمقابض الصغيره من شعرها ...وبدون ملل .. واحد وراء الثاني ..
وفي هاللحظه كان طارق يقرأ المجله .. لكنه رفع راسه لحظات واطالعها بنظره خاطفه ورجع مره ثانيه يطالع صفحات المجله وهو يقول :
طارق : ليش هذا كله .. فريج كامل من المقابض على راسج .. ليش ما تحطين مكياج خفيف واتريحين عمرج ..
التفت نوال صوبه وقالت بهدوء مع شوية دلال :
نوال : يا سلام .. ما تبى الحريم يقولون عن مرتك ... انها .... حلوه ...
رفع طارق راسه مره ثانيه صوبها وقال :
طارق : اهم شي اشوفج انا حلوه .. وانتي عاجبتني .. وعادنج احلى واجمل بنت في العالم .... فليش اتحطين الـ.....
قاطعته نوال بهلجه فيها شوي من العصبيه :
نوال : هذا ما يمنع اني ازيد من جمالي .. وبعدين اكثر الحريم هناك متعدلات .. شمعنى انا .. ولا تنسى انه عرس اعز صديقاتي وو ..
قاطعها طارق بسرعه عشان يفتك من السانها وقال :
طارق : خلاص خلاص اقتنعت .. كملي شغلج .. وانا بعد ما اخلص هالكلمتين بسير انخمد ...
رجعت نوال اتكمل شغلها ... ومع آخر مشبك ومقبض ينفك ، ويرتاح من شعرها .. اتذكرت كلام امها اليوم الظهر .. وعلى طول التفتت وراهــا وقالـــت :
نوال : آآ طارق .. بغيت اكلمك بموضوع مهم ..
بهـا اللحظه كان طارق متمدد على السرير وهوه يستعد للنوم وعشان جذيه قـال :
طارق : وها الموضوع ما يتأجل لين باجر .
سكتت نوال فتره وهيه اتفكر وبعدها قالت :
نوال : اعتقد... لا ..
ومع نفخه طويله من فم طارق قال :
طارق : انزين ... قولي بسرعه وخلصيني .. انا ادري .. طلباتج ما تقولينها الا آخر الليل ..
ضحكت نوال وهيه اتقول :
نوال : لا تخاف .. ما بطلب منك بيزات .. كل اللي اباه منك ... طلب بسيط.. وبسيط وايد وايد ..
اتساءل طارق :
طارق : طلب مثل شوه .
وبلهجه هاديه قالت نوال :
نوال : طلب بخصوص أمي .
مسك طارق اللحاف وغطى جسمه بالكامل بما فيه وجهه وهوه يقول :
طارق : اف منج .. يوم تبين الشي اتحنين واتزنين عليه .. انا قلتج امس .. اذا حبت امج اتعيش معانا .. انا راضي .. حياها الله في أي وقت .. وبيتنا عود ويشل كل الحبايب ... صدقيني ما عندي أي مشكله و ..
قاطعته نوال بسرعه وهيه اتقول :
غايه : اولا امي رافضه العيشه معانا في البيت .... وثانيا مب هذا الموضوع اللي بغيت اكلمك فيه ..
رفع طارق اللحاف من وجهه وهو يقول :
طارق : عيل شو الموضوع .
ترددت نوال اكثر من مره .. وظلت ساكته فتره .. لكنها في النهايه قررت تدخل في الموضوع مباشره فقالت :
نوال : آآ .. طارق .. امي يا لها معرس ...
نقز طارق من مكانه يوم سمع كلامها .. حتى انه طاح من السرير على الارض .. لكنه وقف بسرعه .. وهوه فاتح عينه من الدهشه .. وبعد فتره صمت .. انفجر طارق من الضحك وهو يقول ببرود فظيع :
طارق : الله يقطع سوالفج يا نوال ... دومج اتسوين فيني ها لمقالب ... ادريبج اتحبين الضحك والغشمره و ..
صرخت نوال بويهه من كثر غيظها من بروده الشديد وقالت :
نوال : انا ما اتغمشر .. امي صدق يالها معرس وهيه موافقه عليه ..
سكت طارق فتره وبعدها قال :
طارق : الحين بعد ما كبرت وشيبت ... تبى اتعرس ..
ردت عليه نوال بعصبيه :
نوال : اولا امي بعدها صغيره ... يوم خذت ابوي كان عمرها 16 سنه ... واحنا الحينه في سنة خمس وتسعين يعني عمرها واحد واربعين سنه .. وامي ما عاشت مع ابوي الا خمس سنوات .. يعني اتوفى ابوي وعمرها واحد وعشرين سنه ... ومع هذا ما عرست وضحت باحلى سنوات شبابها عشان اتربينا واتعلمنا واتكبرنا واتزوجنا .. والحين يوم حبت اتعيش حياتها.. وتعيش مع انسان محترم يراعيها ويسليها ما بقى من عمرها نوقف بطريجها .....
كان جوابها فعلا مقنع.. ولهذا ما لقى طارق أي رد مضاد .. لكنه قال بحذر :
طارق : يعني انتوا مب خايفين على ثروتكم .. اتروح بيد الغريب ..
صرخت نوال في وجهه وهيه اتقول :
نوال : من هالناحيه اطمن .. امي عمرها ما تنسانا ... امي كتبت ثلث الثروه لي والثلث الثاني لاختي .. يعني وهبتنا ملايين ... ومستعده تتنازل عن نصيبها مقابل انها اتعيش حياتها مثل ما تشتهي وتتمنى ..
رد عليها طارق بصوت هادي بعد ما حس بالاحراج من سؤاله وقال :
طارق : انتي عارفه يا نوال ، اني مب طمعان بثروتكم ... وعارفه اكثر اني من عائله غنيه ومعروفه وما علينا قصور .. وانا هدفي مصلحتج مب اكثر.
خفت نبرة نوال في الكلام وقالت :
نوال : اذا اتحبني يا طارق ... اوقف معانا وبارك هالزواج. .. ياطارق ... نفسية امي وايد تعبانه .. وما بترتاح الا بزواجها ..
وبحنان ورقه قال طارق :
طارق : اللي يسعدج يا حبيبتي يسعدني ... واللي يريح امج يريحني ...
ابتسمت نوال في ويهه وقالت :
طارق : مشكور يا طارق ما تقصر .. بس ..
قال طارق وهوه يتساءل :
طارق : بس شو بعد .. الزواج راضين عنه كل الرضا ... فيه شي ثاني ..
أشرت نوال على طرف صبعها الصغير وهيه اتقول :
نوال : أبي منك طلب هااااا لكبر .... اصغر من طرف هالصبع ..
ضحك طارق وقال :
طارق : شو ها الطلب اللي آآآآآآ صغر من طرف هاااالسبع ...
ضحكت نوال من تعليقه وقالت :
نوال : امي طلبت مني .. وبحكم انك ريل بنتها العوده .. انك تستقبل ها لريال .. وتتفاهم معاه على تفاصيل العرس و ..
اتفاجأت طارق من كلامها وقال :
طارق : يعني شوه... اقعد مع خطيب عمتي ام زوجتي ... لالا... استحي ..
وبانفعال قالت نوال :
نوال : ما فيها شي .. ولو كانت أمي اتعزك شان ما طلبت ها الطلب منك بالذات .
تردد طارق وهوه يقول :
طارق : هيه بس ..
قاطعته نوال وهيه اتقول بدلال :
نوال : عشان خاطري حبيبي ..
ابتسم طارق وهوه يقول :
طارق : عشان خاطر هالعيون بس .. انا حاضر ... خلي امج اتحددلي موعد معاه وانا بقابله ... انتي آمري بس ..
وبامتنان شديد قالت :
نوال : ما يامر عليك عدو .... تسلملي يا بوسيف ..
ضحك طارق من كلمتها الاخيره وقال :
طارق : وشو دراج ان اللي في بطنج ولد ، يمكن ايكون بنيه .. وبعدين ليش اتسمينه بدون اذني ..
وبابتسامه عريضه قالت :
نوال : ولد ولا بنيه .... ما يهمني .. المهم ان ابوهم احسن ريل في الدنيا ...والاسم مانختلف عليه دام احنا على قلب واحد .. واحساس واحد ..
وبحنان فائق قال :
طارق : انا لو الف الدنيا ما بحصل ظفرج يا نوال ...
سادت لحظات صمت .. وحب ... واشواق... بعد ها الكلمات ... ولحظتها حاول طارق ايغير الموضوع فقال :
طارق : الا .. ما قلتليلي يا نوال ... ها الريال من وين ..
تساءلت نوال :
نوال : أي ريال ؟!
رد عليها بسرعه :
طارق : الريال اللي متقدم لامج .. هوه من دبي ولا من بوظبي ..
سكتت نوال لحظه وقالت :
نوال : لا من دبي ولا من ابوظبي ..
اتساءل طارق :
طارق : يعني من الامارات الشماليه او يمكن العين .. او حتى المنطقه الشرقيه او الغربيه ..
ردت نوال بهدوء :
نوال : لا ... مب من المناطق اللي ذكرتها ..
استغرب طارق وقال :
طارق : عيل من وين ..
ردت عليه بسرعه وقالت :
نوال : من الجزر ...
رد عليها بدهشه :
طارق : جزر ؟ أي جزر !!
وبهدوئها المعتاد قالت :
نوال : من جزيرة طنب .. وانا سبق اني خبرتك اني جدي وامي هاجروا من الجزيره لدبي قبل احتلالها بسنه و ..
قاطعها طارق وقال :
طارق : يعني هالريال عايش الحينه هناك.... في الجزيره ..
سكتت نوال دقيقه وهيه اتفكر وبعدها قالت :
نوال : اممم .. اعتقد ان امي قالت انه ما طلع من الجزيره بعد الاحتلال .. وفضل ايعيش فيها و ..
قاطعها طارق بانفعال شديد وقال :
طارق : انت شو اتقولين يا حرمه ..
استغربت نوال من انفعاله وقالت :
نوال : شو فيك معصب .. هدي اعصابك شوي ...
وبالرغم من كلامها الاخير زادت عصبيته وقال :
طارق : تبين اسمع كلامج وما اعصب .
ردت عليه نوال بدهشه :
نوال : يا خي.. هدي اعصابك .. خلنا نتفاهم بهدوء ..
صرخ طارق بويها بصوره خلتها تتراجع للوراء وقال :
طارق : أي تفاهم ... أي تفاهم وانا قاعد اسمع تخاريفج...
زاد استغراب نوال وقالت :
نوال : أي تخاريف .. تقدر اتفهمني شو السالفه ..
وبعصبيه مستمره ومتصاعده قال طارق :
طارق : الريال هذا من الجزر ... يعني ما عنده جواز الامارات .. يعني حامل جواز وجنسية الدوله المحتله ... فهمتي ..
حطت نوال ايدها على راسها .. وقالت :
نوال : ويييه... اتصدق انا ما فكرت بها الشي ابدا ..
رد عليه طارق وهوه ايشاور بايده على راسها :
طارق : لان ها الراس ما فيه مخ عشان ايفكر ..
اتضايقت نوال من كلامه الاخير وقالت :
نوال : وشو تباني اسوي ..
طارق : شو اتسوين .. امج بتفضحنا واتقولين شو اتسوين .. انتي نيستي اني ريال معروف وماسك منصب حساس... انا اللي مقالاتي ماليه الصحف .. ويستضيفوني دايما في برامج التلفزيون .. واهاجم فيها وبشده زواج المواطنين من اجنبيات .. وزواج المواطنات من أجانب .. أزوج عمتي... ام بنتي لشخص اجنبي .. و
قاطعته نوال وهيه اتقول :
نوال : بس هوه اماراتي الاصل .. انته عارف ان الجزر في الاساس... تبع الامارات و ..
قاطعها بهلجه اشد :
طارق : بس هوه الحينه ما عنده جنسيه ولا جواز ويحمل جنسية هذيك الدوله .. الواقع يقول جذيه .. وبعدين قوليلي .. انتي عارفه زين اني ولد عائله معروفه وقبيله كبيره .. فكيف تبيني اناسب واحد يحمل جنسية هذيك الدوله.. وانتي تدرين زين ان اكثر الناس يعتبرونها عــار ... وعار بعد ....
سكتت نوال وما عرفت شو اتقول .. لكنها قالت بهدوء :
نوال : والله ما ادري شو اقول .. وانا ما بيدي شي .. امي حرمه بالغه... وحره في تصرفاتها .. ولو اصرت على الزواج ما اقدر امنعها وو...
صرخ طارق بويها وقال :
طارق : لازم تمنعينها وبالقوه ... وانا مستعد ادورلها على ريل .. بدورلها على مواطن اماراتي ومن عائله كبيره ومن قبيله معروفه و ..
قاطعته نوال :
نوال : واذا اصرت على هالريال .. وانا بصراحه حاسـه انها تباه وما تبـى غيره .
طالعها طارق بنظرات مخيفه وعنيفه وقال :
طارق : ساعتها.... يا أنا.... يا أمج ..
فتحت نوال عينها وهيه تسأل :
نوال : شو قصدك ...
رد عليها بمنتهى القسوه والشده :
طارق : اقسم بالله.. اذا امج نفذت اللي براسها .. بتوصلـج ورقة طلاقج لعندها.. ..
اتفاجأت نوال بقوه .. وما حست الا وهيه طايحه على الكرسي واتصيح بمراره .. والدموع تنزل من عينها .. واختلطت الدموع مع مكياج ويها... واللي بعده موجود على خدها ... وبعد ما هدت شوي قالت :
نوال : هذي آخرتها ياطارق .. تبى اطلقني .. الحين عرفت انك ما تحبني..
رد عليها بحزم :
طارق : يا نوال انا احبك .. ومتسمك فيج .. لكن سمعتي واسمي فوق كل شي .. وما اسمح لحد ابدا ومهمن كان انه ايهز صورتي جدام الناس ...... انتي بيدج الحل .. من باجر الصبح او حتى الفجر سير لامج واقنعيها .. بالطيب او بالغصب لا زم تقتنع ..
مالقت نوال اي جاوب حاضر في ذهنا .. ولهذا حطت وجها بين كفيها وبدت تبكي بكاء مر ... واتفكر .... شو اتسوي ....
سعادتها بكفه ...
وسعادة امها بكفه ثانيه ...
شو تختار ...
****************
****************
في اليوم الثاني .. وعند الساعه عشر الصبح تقريبا .. كانت غايه جالسه في صاله من صالات فلتها الواسعة ... وماسكه بيدها البوم صور .. والالبوم.. واضح من شكله انه قديم ... وقديم وايد ... فتحت الالبوم .. وطلعت منه صوره قديمه .. صوره التقطت عام سبعين .. ركزت غايه اكثر بالصورة .. كانت الصوره تظهر غايه وهيه واقفه مع زوجها الاولي و لابسه ثوب جميل ...ومع ان الصوره كانت بالاسود والابيض الا انها متذكره تماما ان لون الثوب كان اخضر ..
.....واتذكرت بعد... انها اتصورت ها الصوره في صباحية العرس ... وفي العاده او اغلب الاوقات تلبس العروس الثوب الاخضر في الصباحيه في هذاك الوقت .. بينما تلبس بليلة العرس ثوب يسمى بـ ( الميزره ) او مرات ايسمونه ( اطلس ) وهو ثوب متعدد الالوان ... قبل انتشار موضة الفستان الابيض في الاعراس...
ركزت غايه بصورة زوجها ... ورجعت مره ثانيه تتطالع صورتها وهيه عروس صغيره ... كانت البراءه اتشع من وجها ... مسكت الصوره بقوه .. ولفتها لفه كامله .. وشافت على ظهرالصوره كلمات مكتوبه بحبر اسود .. صحيح ان الحبر جف ونشف بفعل الزمن .. لكن الحروف واضحه .. وكانت الحروف والكلمات اتمثل جمله مشهوره او بيت شعر شعبي معروف .. ينقال مرات في الاعراس وكان يقول :
يا معيريس عين الله تـــراك
.............................. القمر والنجوم تمشـي وراك
رددت غايه بيت الشعر السابق بأسلوب غنائي .. مره ومرتين وثلاث ....
و .. فجأه مسكت الصوره وحطتها بالالبوم .. ورمت الالبوم على الارض بقوه حتى انه زحف على الارضيه ووصل لآخر الصاله.. وقالت بصـوت مسمـوع ...
غايه : خلاص ... لون الصوره الابيض والاسود ... بيتحول لالوان يوم بتصور مع يوسف بيوم عرسنا ..و لكل الوان الطيف .. والثوب الاخضر والملون... بيتحول لفستان ابيض البسه ليوسف بليلة زفافنا ...
وصرخت غايه بصوت عالي ... واتردد صدى صوتها بكل انحاء الفله .. وسمعه كل الخدم وقالت ...
غايه : اليوم بدا عرسج يا غايه .. اليوم بدا عرسج الحقيقي ياغايه ... اذبحوا الذبايح... افرشوا الورود ..... طلعوا المداخن ... دقوا على الطيران .. انفخوا في الهبان ... غايه بتزف ليوسف ...
بتركلكم الفله باللي فيها .. حلال عليكم .. وبرجع مع يوسف ..
وبعيش ... هناك .. عند ساحل البحر القديم وراء التل الصغير .. بجزيرتنا الحبيبه .
كفاني صبر .. سنين وانا صابره .. سنين وانا ناطره ..
واليوم برجع معاك يا يوسف .. اليوم برجع معاك يا ........
وو.....
سمعت غايه صوت جرس الباب .. وكان يرن باستمرار بدون انقطاع .. وكأن اليد اللي ادوس عيله ملتصقه فيه .. والتفتت غايه حواليها ... وشافت الخدم متجعمين حولها باستغراب بعد صرخاتها الاخير ...
اتحرك واحد من الخدم وفتح الباب .. واول ما انفتح الباب .. دخلت نوال .. وآثار الحزن والدموع مغرقه وجها .. واتحركت ببطء .. وغايه اتشوفها باستغراب ... اتحركت ليما وصلت لمنتصف المسافه بينها وبين غايه .. ووقفت .. واطالعت امها بنظرات حزينه .. وتمت واقفه فتره طويله وعينها بعين أمها .. و... وفجأه ... ركضت نوال بكل قوتها .. وارتمت باحضان أمها .. وخرت بموجه حاره من الصياح والبكاء ... وغايه مستغربه ما عارفه شو اللي حاصل .. وبعد ما خلتها اتصيح واطلع اللي بخاطرها .. مسكت راسها براحه كفيها .. ورفعته فوق .. وقالت بصوت مدهوش ..
غايه : نوال ... شوفيج حبيبتي .. شو اللي مزعلنج ..
حاولت نوال تتكلم ، لكنها ما قدرت من كثر مالحزن كاتم على انفاسها .. وظلت فتره اتحاول .. وفي الاخير وبعد ما التقطت انفاسها قالت :
نوال : طارق يا امي طارق ..
صرخت غايه بصوت عالي :
غايه : شو فيه طارق ... صار له شي ..
وبصوت ممزوج بالدموع قالت نوال :
نوال : ما صار له شي .. بس طارق رافض نهائيا انج تتزوجين هاك الريال ..
استغربت غايه من كلامها وقالت بحده :
غايه : وليش يرفض .. وباي صفه اصلا يرفض .. لا هو ولي أمر ولا وصي علي ..
ردت عليها نوال بصوت مبحوح :
نوال : طارق رافض ، لان الريال هذا.. ما عنده جنسيه .. ويقول ان جنسية الريال الحاليه عــار عليه وعلى عيلته كلها ...
صرخت غايه وهيه اتقول :
غايه : عــار .. ريلج ايسمي يوسف عار .. ريلج ما يسوى الارض اللي يمشي عليها يوسف ... انا ما عليه منه .. انا حرمه بالغه وادرى بمصلحتي وحره بتصرفاتي ..و
قاطعتها نوال وهيه اتقول بمراره :
نوال : يا امي... طارق حلف .. ان اتزوجتي ها الريال بيطلقني .. اتصوري يا اميه بيطلقني .. بيطلقني وولده يتحرك في احشائي .. بيطلقني ...
وخرت نوال في موجه طويله من الصياح ..
وانتفضت غايه بكبرتها من هول الصدمه ... وما عرفت شو اتقول .. ولا كيف اتفكر ... ولا شوه اتسوي ... ظلت فتره طويله ساكته وهيه شارده واتفكر واتقول في خاطرها :
سعادتها مقابل سعادة بنتها ....
شو تختـــار ...
مو معقوله ادمر حياة بنتها واتيتم ولدها وابوه حي...
لكن ...
معقوله كل شي ينتهي ...
معقوله الحلم يتحطم مرتين ... في الماضي ....والحينه في الحاضر .... ويدمر معاه كل المستقبل ..
واستمرت غايه في صمتها ودهشتها .. وكل الموجودين يطالعونها ... بنتها والخدم .. يطالعونها بنظرات دهشه ... واتلفتت غايه حواليها وبكل الاتجاهات.. وظلت اتبحلق بوجوه الحاضرين وهيه ساكته ... كانت رافعه ايدها واتأشر على السانها .. كانها اتقول .. الحقوني .. ما قادره انطق ... الساني انشل.....الحقوني بموت من الغصه والقهر ..
ولما شافت نوال ها المنظر وامها اللي ما قادره تنطق حرف واحد صرخت باعلى صوتها وقالت :
نوال : الحقوا امي ... يما ... شو فيج ...
وما جاوبتها غايه الا بطيحه عنيفه على الارض من شدة الالم والقهر ...
************************
************************
في نفس هاليوم .. وعند الساعه خمس العصر بالتحديد .. كانت غايه قاعده مع يوسف في نفس المكان اللي التقوا فيه ثاني مره .. في الدور العلوي من المحل ، واول ما قعدوا بدا يوسف بالكلام وقال بكل لهفه وفرح :
يوسف : خلاص يا غايه .. انا رتبت كل شي ..بيسمحولج بدخول الجزيره ..
وانا خبرت حسن ايزهب بيتي اليديد في الجزيره .. صحيح انه مو مثل فخامة بيتك .. لكنه بيكون عامر بالحب والسعاده انشا الله ..
خلاص يا غايه .. تحقق حلمنا .. وبنلتقي مرها ثانيه .. هناك .. وراء التل الصغير عند ساحل البحر القديم ...وو
لحظتها بس لاحظ ان عيون غايه حمر مثل الجمر .. وكأنها صايحه سنين طويله ... ولاحظ انها ساكته طول الوقت .. وويها شاحب والحزن واضح عليها .. ومع انها حاولت تخفي حزنها الا ان الدمعه اللي سالت من عينها فضحتها ...
وسكت يوسف بعد كلمته الاخيره وتم فتره صامت وهو يطالع عيونها وبعدها قال :
يوسف : غايه .. شو فيج .. ليش عيونج محمره .. انتي تعبانه لا سمح الله ..
ما ردت غاليه .. وظلت ساكته ودموعها ما توقف .. وعشان جذيه قال يوسف بانفعال :
يوسف : غايه شو فيج ..ردي علي الله ايخليج ..
واستمرت غايه في سكوتها وصمتها ... لكنها في الآخر اتكلمت وبصوت هادي و يحمل كل معاني المراره وقالت :
غايه : يوسف .. طلعتلنا مشكله كبيره ... مشكله بتعيق زواجنا ..
شعر يوسف برجفه عنيفه اتهز اطرفه .. وقال بانفعال شديد :
يوسف : مشكلة شوه ...
وبدت غايه ترويله كل اللي صار .. وبكل التفاصيل ... واول ما انتهت من كلامها .. سكتت ... وانتظرت الرد من يوسف ... وانتظرت وقت طويل ويوسف جامد مكانه مثل الثلج ما يتحرك ... ولما شافت حالته قالت غايه :
غايه : يوسف .... ما سمعت ردك ..
ومثل ما ردت عليه غايه في الماضي و قبل ربع قرن بدمعه فرح يوم طلبها للزواج .. رد عليها بدمعة الم وحزن ... وقال بمنتهى الضيق والكدر ..
يوسف : يا سبحان الله ... في الماضي وقبل ربع قرن كان أهلي رافضين زواجنا ومستعرين منج ... واليوم أهلج هم الرافضين ومستعرين مني ..
ردت عليه غايه وهيه اتكرر نفس السؤال السابق :
غايه : شو رايك في الموضوع .. ما عندك حل ..
جاوبها يوسف بأسى :
يوسف : الموضوع ما يحتاج راي .. مستحيل نبني سعادتنا على تعاسه غيرنا .. خصوصا لو كانت بنتج .. اللي بمقام بنتي ... وهم اصغر منا ومن حقهم ايعيشون الحياه اللي انحرمنا منها ..
و .. فجأه... انفجرت غايه بالصراخ .. وكأنها اتحاول اتـزحـزح جبل من الحزن كاتم على انفاسها .. وبدون ادني وعي ولا ادراك قالت :
غايه : ليش ها العــذاب كله .. احنا شو سوينا في دنيانا عشان ربـي يعذبنــا طول عمرنا و ..
قطع يوسف كلامها بمنتهى السرعه وقال :
غايه : الله ايهديج ياغايه هذا كلام ينقال ... لازم نرضى بقدرنا حتى لو عشنا طول عمرنا بعــذاب .. ومنو يدري يمكن ايكون العذاب رحمة فينا... ولا تنسين قول الله تعالي في كتابه الحكيم (( إن تعذبـــهم فإنهم عبــادك وإن تغفـرلهـم فإنـك أنـت العزيــز الحكيــم )) صدق الله العظيم ...
سكتت غايه على طول بعد سماعها لها الايه .. وتمت اتفكر .. وقالت بصوت هادي وكأنها ما صرخت قبل شوي ..
غايه : وشو الحل ..
ما رد عليها يوسف .. لانه كان مشغول بالتفكير .. على وعسى انها ايحصل أي حل و ..
صرخت غايه مره ثانيه .. لكن ها المره كانت صرختها صرخة فرح .. الصرخه اللي خلت يوسف ينتفض في مكانها ويسألها :
يوسف : غايه شو فيج فرحتي مره وحده ..
جاوبته غايه والفرحه تارسه ويها :
غايه : خلاص يا يوسف لقيتها ... لقيت الحل .. الحل الوحيد .. الحل الأخيـــر.
رد عليها يوسف باستغراب :
يوسف : .. الحـــــــل الاخيــــــر ..
ردت عليها غايه بثقه :
غايه : هيه يا يوسف.. الحل الاخيــر ..
الحـــل الاخيـــر....
******************
******************
بدت غايه تروي تفاصيل ها الحل اللي سمته ( الحل الاخير ) فقالت :
غايه : اسمعني يا يوسف .. انته اكيد عندك وثائق تثبت انك مولود في الجزيره .. اضافه الى انك من قبيله كبيره ومعروفه هناك .. وانا من خلال معارفي بحاول اطلعلك جوازوجنسية الامارات.. بس في البدايه لازم اتقيم في الامارات فتره طويله شوي و ..
قاطعها يوسف وقال :
يوسف : انا ها الشي اديبه من زمان..
قالت غايه باستغراب :
غايه : تدريبه ..
وبهدوء قال يوسف :
يوسف : هيه ادري .. عمي هاجر للامارات من يوم الاحتلال .. وقال لي اكثر من مره .. تعال اسكن في الامارات وبطلعلك جنسيه وجواز بعد فتره و..
سألته غايه باهتمام :
غايه : عيل ليش ما سكنت هنيه وطلعت جواز ..
يوسف : يا غايه .. لو طلعتلي جواز وجنسيه ما بقدر ادخل لارضي في الجزيره .. وانا ما اقدر استغنى عن ارضي .. الارض اللي انولدت فيها .. الارض اللي شفتج فيها .. الارض اللي لعبت معاج فيها... الارض اللي حبيتج فيها .. الارض اللي التقيت معاج فيها .. وفارقتج فيها .... وبنلتقي انشا الله مره ثانيه فيهـــا ..
ما اقدر افارق المكان اللي حبيتج فيه .. هناك .. وراء التل الصغير عند ساحل البحر القديم ..
كيف بنحس بطعم الحب واحنا غريبين عن ارضنا الاصليه...، وانا كنا عايشين على ارضنا الام الامارات .. ما اقدر صدقيني ما قدر...
حست غايه بخيبة أمل ويأس فظيع وقالت وهيه منزله راسها للارض :
غايه : كل الطرق والابواب مسدوده بويهنا ..
رد عليها يوسف بهدوء وبصوت واطي :
يوسف : الا... باب الأمل ..
سألته غايه وهيه مندهشه :
غايه : شو قصدك ..
سكت يوسف وقعد يفكر لحظات طويله قبل لا يقول :
يوسف : شوفي يا غايه .. ماشي غير حل واحد بس .. حل ماله بديل ....
الحــل الاخيـــــر ...
قالت بدهشه :
غايه : الحل الاخيـــر ..
جاوبها يوسف :
يوسف : هيه نعم .
سالته بكل لفهة الدنيا :
غايه : ... وشو الحل الاخيـــر ...
صمت يوسف فتره اطول ... وكأنه يستجمع كل قواه النفسيه عشان ايقول ... ايقول الحــل الاخيــر ... وقال :
يوسف :... ما شي حل .. غير ان الجزيره ( طنب ) ترجع لسيادة وسلطة دولة الامارات .. وفي ها الحاله بترجعلي جنسيتي الاماراتيه بحكم الوثائق اللي عندي ، وبترجعين انتي للجزيره ، وبنقدر انعيش على جزيرتنا بكل حريه وسعاده وحب وحنان ... وبنلتقي مره ثانيه .. هناك .. وراء التل الصغير عند ساحل البحر القديم ...
صرخت غايه من اعماق قلبها وقالت وهيه في قمة دهشتها:
غايه : انته شو اتقول يا يوسف ... هذا هوه الحل الاخير .. يا يوسف رجوع الجزيره مب بايدنا .. مب بايدنا ..
وبحزن عميق رد عليها يوسف :
يوسف : صدقيني يا غايه هذا هو الحل الاخيـــر .
قالت غايه وهيه بقمة اليأس والاحباط :
غايه : يا يوسف .. احنا ماندري متى بتتحرر الجزيره .. يمكن يوم او شهر او سنه ..او عشرين سنه .. ومابقى في العمر كثر اللي راح .. ويمكن انموت قبل لا نشهد ها اليوم و..
قاطعها يوسف وقال بحنان :
يوسف : حتى لو كان لقاءنا هناك.... في اليوم الاخير من حياتنا .. بننتظر على أمل قدومه .. وبنعيش هاك اليوم بحب وسعاده .. هناك .. على ارضنا ...هناك . وارء التل الصغير عن ساحل البحر القديم ....
قالت غايه وهيه حاطه كفيها على وجها.. ويأسها قد بلغ مداه :
غايه : كلما اقتربت خيوط الفجــر المنتظــر من عيونا .. نتفاجأ بليل أطول ...
ليـل طويل .. ما بعده فجر ولا نهار ...وبنظل.. طول عمرنا ساكنين في ظلام الليل و ..
قاطعها يوسف وهو يقول آيه قرآنية :
يوسف : (( ولـــه ما ســكن في الليل والنهار وهو السميع العليم ))
سكتت غايه بعد ها الآيه ... وبعدها قالت بمنتهى الاحباط ..
غايه : يعني هذا هو الحل الاخير ..
جاوبها يوسف بكل ما في قلبه من آسى....
يوسف : هذا هوه الحــل الاخيــــر .
****************
****************
وفي اليوم السابع .. موعد مغادرة يوسف لدبي ...باتجاه أرض الجزيره .. كانت غايه في انتظاره ... ووداعه .. على أمل لقائه ... لكن... متى .. بعد يوم.. او سنه او سنين او ... او لا لقاء بعده ......
واللقاء مرهون بعودة ارضهم لاحضان الوطن .. ولكن ... متى بتعود ... الله وحده اعلم ...
وقبل الرحيل ..وقفت غايه بالقرب من يوسف .. وقعدت اتملي عينها منه ... ويملي عينه منها .. وبنفس اللحظة اللي انزلت دمعه حاره من عين غايه انزلت دمعه أحر من عين يوسف في توافق شعوري عجيب .. وبنفس اللحظه اللي امتدت يد يوسف لتمسح دمعة غايه امتدت يد غايه لمسح دمعة يوسف في توافق حسي أعجب ...
وانطلق يوسف باتجاه الجزيره .. واول ما وصلها اتوجه مباشره هناك .. صوب التل الصغير عند ساحل البحر القديم .. وشاف صورة غايه محفوره على امواج البحر .. واوراق الشجر ... وعلى صفحات القدر ...
ومن يومها ... ويوسف يتوجه يوميا لنفس المكان.. هناك.. وراء التل الصغير عند ساحل البحر القديم و ينتظر غايه .. وينتظر.. تحقق الحل الاخير ...
ولغايه ها اليوم الموافق الثاني والعشرين من شهر سبتمر عام الفين وثلاثه.. أي بعد ثمان سنوات من لقاء يوسف مع غايه الاخير في دبي ، بسنة خمس وتسعين ... ولغاية كتابة آخر سطر من سطور ها القصه ... لا يزال يوسف موجود .. هناك .. عند ساحل البحر القديم ووراء التل الصغير ينتظر الحــل الأخيـــر ...
ويتمنى يوسف من كل اللي قرأوا قصته انهم يدعون و بقلب صادق من أجل عودة غايه معاه لارض الجزيره ... وجمع شملهم مره ثانيه ..
وقبــــــل هـــــــذا ...
يتمنى منكم .... ومن كل أماراتـــــي مخلص .... دعوه اصـــدق... نابعه من أعماق القــــلب ... دعــوه ... بعودة أرض الامـــارات ( طنب ) الى أحضـــان الامارات .....
انتهـــــــــت القصه ....
صوره لطنب الكبرى .. وموقعها بالنسبه للامارات وصورة الشيهد (( سالم سهيل خميس ))