الغريب
12-30-2006, 04:55 AM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
ثم أما بعد
هذه خطبة عيد الأضحى التي خطبت بها لعام 1427هـ
أسأل الله أن ينفع بها ويجعلها خالصةً لوجهه الكريم وعلى سنة نبيه الصادق الأمين
ملخص الخطبة
1- الوصية بتقوى الله. 2- شكر الله على نعمه. 3- حِكم ومقاصد العيد. 4- الوصية بصلة الأرحام. 5- وصايا عامة. 6- الوصية بالوفاء وسداد الدّيون. 7- بعض ما يحاك للأمة الإسلام. 8- وصايا عامة لكل من الآباء والمعلمين ونساء المسلمين. 9- أهمية تقوى الله وذكر الله في العيد. 10-تضحية إبراهيم عليه السلام بابنه. 11- من أحكام الأضحية. 12- تذكير ومواعظ.
الخطبة الأولى
الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر
الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر
الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر
الله أكبر كبيرا والحمدلله كثيرا وسبحان الله بكرةً وأصيلا
الله أكبر كلما أحرم المحرمون من الميقات، وكلما لبى الملبون وزيد في الحسنات
الله أكبر كلما دخلوا فجاج مكة آمنين، وكلما طافوا بالبيت الحرام وسعوا بين الصفا والمروة ذاكرين لله مكبرين
الله أكبر ما وقف الحجيج بصعيد عرفات، وباتوا بمزدلفة في أحسن مبات، ورموا بمنى تلك الجمرات
الله أكبر كلما ارتفع علم الإسلام، وكلما طيف بالبيت الحرام، وكلما دكدكت دولة الأصنام
الله أكبر كلما لمع نجم ولاح، وكلما تضوع مسك وفاح، وكلما غرد حمام وناح
الله أكبر كلما رجع مذنب وتاب، وكلما رجع عبدٌ وأناب، وكلما وسد الأموات التراب
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد
الحمدلله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها قمراً منيرا، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيءٍ فقدره تقديرا.
ثم أمّا بعد: أيها المسلمون، اتقوا الله تعالى حق التقوى، فإن التقوى هي زمام الأمور، وهي وقاية للإنسان من الوقوع في المهالك والشرور، هي سبيل النجاة من النار دار الخزي والعار دار الجحيم والبوار, هي تكفير للسيئات ورفع للدرجات ومرضاة لمالك الأرض والسماوات، قال الله سبحانه في كتابه الفرقان: ( يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الأنفال:29].
عباد الله، اشكروا الله جل وعلا أن بلّغكم هذا اليوم العظيم وهذا الموسم الكريم، واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن يومكم هذا يوم مبارك، رفع الله قدره، وأعلى ذكره، وسماه يوم الحج الأكبر، وجعله عيدًا للمسلمين حجاجًا ومقيمين، فيه ينتظم عقد الحجيج على صعيد منى بعد أن وقفوا بعرفة وباتوا بمزدلفة، في هذا اليوم المبارك يتقرب المسلمون إلى ربهم بذبح ضحاياهم اتباعًا لسنة الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما أفضل الصلاة وأتم التسليم.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد
أيها المسلمون، إن العيد من شعائر الإسلام العظيمة الظاهرة، والعيد يتضمن معاني سامية جليلة ومقاصد عظيمة فضيلة وحِكمًا بديعة، فنحن نعيش الآن الساعات الأولى من يوم عيد النحر المبارك، يوم العيد الأكبر، الذي يلتقي فيه المسلمون على صعيد الحب والإخاء، يتبادلون أحاديث الود والصفاء، فتقوى صلاتهم وتتوثق أخوتهم، فيحمدون الله عز وجل على نعمة الشريعة الإسلامية التي جمعتهم برباطها، وألفت بين قلوبهم، وشدت بعضهم إلى بعض بعرى العقيدة والإيمان، فأصبح مثلهم في المودة والتراحم كمثل الجسد الواحد والبنيان المرصوص، فالتواصل بين المسلمين والتزاور وتقارب القلوب وارتفاع الوحشة وانطفاء نار الأحقاد والضغائن والحسد، فهذه حكمة من حكم العيد ومنافعه العظمى، فاقتدار الإسلام على جمع المسلمين في مكان واحد لأداء صلاة العيد آية على اقتداره على أن يجمعهم على الحق، ويؤلف بين قلوبهم على التقوى، فلا شيء يؤلف بين المسلمين سوى الحق؛ لأنه واحد، ولا يفرق بين القلوب إلا الأهواء لكثرتها، فالتراحم والتعاون والتعاطف صفة المؤمنين فيما بينهم،كما روى البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)).
والمحبة بين المسلمين والتواد غاية عظمى من غايات الإسلام، فجاهد نفسك ـ أيها المسلم ـ لتكون سليمَ الصدر للمسلمين، فسلامة الصدر نعيم الدنيا وراحة البدن ورضوان الله في الأخرى. فاجعل نفسك ممن يستحق التهنئة بفرحة هذا العيد السعيد، وإن من يستحق التّهنِئَةَ بالعيد هو الموسِر الذي يزرَع البسمةَ على شِفاه المحتاجين، والشَّفيقُ الذي يعطِف على الأرامِلِ واليتامى والمساكين فيعطيهم من مال الله الذي آتاه، والصحيحُ الذي يتفقَّد إخوانه المرضى والمقعَدين، والطّليق الذي يرعَى السجناءَ والمأسورين فيجعل لهم نصيباً من زياراته، والمقيم الذي لا ينسى إخوانه الوافدين فلهم حق البشاشة والتهنئة بالعيد.
وفي المقابِلِ أيّها المسلمون، ليس العيدُ لمن عقَّ والدَيه فحُرِم الرّضَا في هذا اليومِ المبارَك السعيد، وليس العيدُ لمن يحسُد الناسَ على ما آتاهم الله من فَضله، وليس العيدُ لخائنٍ غشّاش كذّاب يسعى بالأذَى والفسادِ والنميمةِ بين الأنام. كيف يسعَد بالعيد من تجمَّلَ بالجديد وقلبُه على أخيهِ أسود؟! كيف يفرح بالعيدِ من أضاع أموالَه في الملاهِي المحرَّمة والفسوقِ والفجور، يمنَع حقَّ الفقراء والضعفاء ولا يخشى البعثَ والنشور؟! لا يعرِف من العيدِ إلا المآكلَ والثوبَ الجديد، ولا يفقَه مِن معانيه إلاّ ما اعتاده من العاداتِ والتقاليد، ليس لهم منَ العيد إلا مظاهرُه، وليس لهم من الحظِّ إلى عواثِرُه.
فيا عباد الله، يا من آمنوا بالله ورسوله، انظروا في حالكم، انظروا في أقاربكم، هل قمتم بما يجب لهم عليكم من صلة؟! هل ألنتم لهم الجانب؟! هل أطلقتم الوجه لهم؟! هل شرحتم الصدور عند لقائهم؟! هل قمتم بما يجب لهم من محبة وتكريم واحترام؟! هل زرتموهم في صحتهم توددا؟! هل عدتموهم في مرضهم احتفاء وسؤالا؟! هل بذلتم لهم ما يجب من نفقة وسداد حاجة؟!
أيها المسلمون، هذه الاستفهامات وغيرها من الاستفهامات التي تقتضيها صلة الرحم يجب على الإنسان أن يحاسب نفسه عليها، فلينظر هل قام بما يجب عليه في هذا الأمر أم هو مفرط فيه، فالصلة أمارة على كرم النفس وسعة الأفق وطيب المنبت وحسن الوفاء، ومعاداة الأقارب شر وبلاء، الرابح فيها خاسر، والمنتصر مهزوم، وكل رحم آتية يوم القيامة أمام صاحبها تشهد له بصلة إن كان وصلها، وتشهد عليه بقطيعة إن كان قطعها. فاجعل عيد هذا اليوم منطلقا لوأد القطيعة وطيّ صحيفة الشقاق والنزاع، لوأدها مجالات واسعة يسيرة، فمن بشاشة عند اللقاء ولين في المعاملة إلى طيب في القول وطلاقة في الوجه، زيارات وصلات، تفقد واستفسار، مهاتفة ومراسلة، والرأي الذي يجمع القلوب على المودة، كفّ مبذول وبر جميل، وإذا أحسنت القول فأحسن الفعل.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، واهنَؤوا بعيدكم، والزموا الصلاحَ وأصلحوا، فالعيد يومُ فرَح وسرورٍ لمن قبِل الله منه أعماله وصحّت لله نيته، ويومُ ابتهاجٍ وتهانٍ لمن حسُن خُلُقه وطابَت سَرِيرتُه، يومُ عفوٍ وإحسان لمن عفَا عمّن هفا وأحسَن لمن أسَاء، يومُ عيدٍ لمن شَغَله عيبُه عن عيوبِ النّاس. والزَموا حدودَ ربِّكم، وصوموا عن المحارِمِ كلَّ دَهركم، تكُن لكم أعيادٌ في الأرض وأعيادٌ في السماء.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أيها المسلمون، اللهَ اللهَ في الصلاةِ مع الجماعةِ، فإنها نعمتِ الطاعة والبضاعَة، ومُروا بالمعروف أمرًا رفيقًا، وانهوا عن المنكر نهيًا حليمًا حكيمًا رقيقًا، فالحِسبة قِوام الدين، وبها نالت الأمّة الخيرية على العالمين، هي صمام الأمان في الأمة، فكونوا لها أوفياء، وبأهلها أحفياء، حتى لا تغرقَ سفينة الأمة. احفَظوا أقدارَ العلماء، وصونوا أعراضَ أهلِ الحسبة والدعاة الفُضَلاء، أطيعوا أمرَ من ولاّه الله من أموركم أمرًا، وحذار أن تقربوا من الفتنة شرَرًا ولا جمرًا، ولا تقحِموا في الخلافِ المعتبر إلا العلماء الثقات، لا زيدًا ولا عمرًا.
عليكم بالصدق والوفاء بالعهد والأمانة والحشمة والصيانة وبرِّ الوالدين وصلةِ الأرحام، تراحموا تلاحموا تسامحوا، وكونوا عبادَ الله إخوانًا. احذَروا الغشّ وقولَ الزور والكذب والخيانةَ، ولا تقرَبوا الزنا، واحذروا الربَا والرشوةَ، واجتنبوا المسكِرات والمخدّرات، فإنها من الكبائرِ وسببُ البلايا والجرائر، وإياكم والنميمةَ والغيبةَ والظلم والبهتان والشائعات والتساهلَ في حقوق العباد؛ فإنها مجلبةٌ لغَضَب الجبار والذلّةِ والصغار وحَطِّ الأقدار، بل هي الآثام والأوزار، أجارنا الله وإياكم من ذلك كلِّه. فاجتنبوا في جمعكم للأموالِ المسالكَ المعوجَّة والطرقَ الملتوِية والمخالفةَ للأحكام القرآنيّة والتوجيهاتِ النبويّة والقواعدِ الشرعية.
فيا أخي، إن كنتَ تحِبّ نجاتَك وترجو سعادتك فأطِب كسبَك ونقِّ مالَك وتخلَّص من حقوق غيرك، فرسول الله يقول: ((من كانت عندَه مظلمةٌ لأخيه من مالٍ أو عِرض فليأته فليستَحلِله من قبلِ أن يؤخَذَ منه وليسَ ثَمّ دينارٌ ولا دِرهم، فإن كانَت له حسناتٌ أخِذَ من حسناتِه لصاحِبِه، وإلاّ أخِذ من سيّئات صاحبه فطُرِحت عليه فطرِح في النار)) رواه البخاريّ. فما موقِفُك ـ يا عبد الله ـ من الأموالِ العامّة التي لك النفوذ فيها؟! هل اتقيتَ الله فيها ووضعتَ كلَّ شيء موضعَه، أم غلَلت ونهبتَ وتلاعبتَ؟! والله يقول: ( وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [آل عمران:161].
احذر ـ يا عبد الله ـ مماطلة الناس حقوقهم ، فإن ديننا يحثّ على رد الجميل والمكافأة للمعروف بمثله أو أحسن منه والدعاء لصاحبه، وقال : ((خير الناس أحسنهم قضاء)) متفق عليه، وأن لا ينوي المسلم استغلال أخيه ومماطلته وأكل ماله، فإنه إن نوى ذلك فقد عرض نفسه للعقوبة، قال رسول الله : ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله)) رواه البخاري. فعلى المسلم أن يتقي الله تعالى في ذلك، ويخشى عقوبته ووعيده الذي أخبر به ، وليبادر إلى رد القرض وأداء الدين عند حلوله دون تسويف أو مماطلة.
ما موقفك وحالُك من المسؤوليّة التي أُنيطَت بك؟! هل أدّيتَها حقَّ الأداء وأدّيت الأمانةَ فيها بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى؟! ما هي معاملاتك؟! تفكَّر فيها وتدبَّر، والتَزمِ الشرعَ، فالله سائِلُك عن مالك: من أين أتاك؟ وفيم أنفَقتَه؟
ا
لله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
معاشرَ المؤمنين، إنَّ المسلمين اليومَ تتقاذفُ بهم أمواجُ الفتَن، وتحيطُ بهم أسبابُ التفرُّق والشرور والإحن، يسعى الأعداءُ لتفريق صفوفهم، ويبذُلون كلَّ جهدٍ لبذرِ أسبابِ العداء بين أبنائهم، يفرَحون بخرقِ صفِّ المسلمين وتفريق كلِمتهم، ويسعَدون ببثِّ روح التباغُض في مجتمعاتهم وفُشوِّ الكراهيَّة بين شبابهم. وحينئذٍ فما أحوجَ المسلمين اليومَ للالتزام بالمنهجِ الذي تصفو به قلوبُهم، وتسلَم معه صدورُهم، وتُنشَر من خلاله مبادئُ المحبَّة والوئام في مجتمعاتهم، فاحذَروا دعاةَ السوء والفساد وإن تظاهروا بالإصلاح، فالله يعلم إنهم مفسِدون، إنهم يسعَونَ في الأرض فسادًا، ولا يريدون لكم خيرًا ولا صلاحًا. فاتَّقوا الله في أنفسكم، واحذروا الدعاياتِ المضلِّلة والإعلامَ الجائِر الذي يحاوِل أن يصوِّرَ أنّه مصلِحٌ وأنّه ينصَح ويوجِّه، والله يعلم أنه مفسِد وأنّ هدفَه السوء، ولكن كما قال الله: ( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ) [فاطر: 43].
واعلموا أن لكم أعداء ـ يا أمة الإسلام ـ يعملون ويخططون ليل نهار، ويحبّون إشعالَ الفتن واستطار شرِّها، يحبون ذلك ويكرَهون للأمة أن تعيشَ في أمنٍ واستقرار وراحةِ بال، لا يرضيهم ذلك بل يحبّون أن تكونَ بلادُ الإسلام دائمًا بلادَ فِتَن واضطراباتٍ وانقسامات، فهم يُذكون كلَّ بلاء، ويشعِلون النزاعَ الطائفي والنزاعَ القَبلي إلى غير ذلك مِن كلّ ما يمكِنهم من تفريقِ الأمّةِ وضربِ بعضِها ببعض. وإعلانهم المعادي للإسلام وأهله وأعمالهم المشينة الخطيرة من تكفيرٍ وتفجير وتبديعٍ وتضليلٍ وإحداثِ فوضى في الأمّة وراءَها أعداءُ الإسلام، يذكون نارَها، وإنَّ أهلَ هذه البلادِ ـ بلادِ الحرمين ـ وهم يعيشون نِعَمًا عُظمى وخيراتٍ كثيرة فهم محسودُون من أعداء الإسلام والمسلمين، لذا حَريٌّ بأهلها وحريٌّ بأهل الإسلام في كلِّ مكان الاجتماعُ على السنّة والهدى والتعاونُ على البرّ والتقوى، وواجبٌ على المسلمين في هذه البلاد أن يكونوا يدًا واحدةً مع ولاةِ أمورهم ومع علمائهم لتحقيقِ المنافعِ الخيِّرة والمصالح المرجوَّة، وأن يحذَر الجميع أسبابَ التدابرُ والتباغض وطرقَ التنازع والتفرُّق؛ حتى يسلمَ للناسِ دينهم، وتسلمَ لهم دنياهم، ويعيشوا في ظلِّ أمن وأمان ورغدٍ ورَخاء. فكونوا على حَذَر من أعدائكم، فهم ـ والله ـ الأعداءُ وإن أظهَروا لكم المحبّةَ والنصيحة. وأي محبةٍ ونصيحة وهم يسعون للإفساد والخراب والتفجير والتكفير في بلدٍ تحكم شرع الله وتدعوا إلى دين الله وتأمر بما يرضي الله وتنهى عما يغضب الله، اللهم إنا نعوذ بك من عمى البصيرة، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ولا تلبسهما علينا ياربنا.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد
أيها الآباءُ والأمهات، واجبُكم تقوى الله في أبنائكم، رَبّوهم التربيةَ الصالحة، راقبوا سلوكَهم وتصرّفاتهم، حذِّروهم من مجالسِ السّوء ومن دعاةِ الباطل والضلال الذين يسعَونَ لتَلويثِ أفكارهم وإدخالِ أمور في أفكارهم هي بعيدةٌ كلَّ البُعد عن دينهم وعن مصالحِ دُنياهم.
أيّها المربّون، رجالَ التربية والتعليم، واجبُ الجميعِ الأخذُ على أيدي أبنائنا، وتوجيهُهم التوجيهَ السليم، وتحذيرهم من كلِّ أمر فيه ضررٌ عليهم في دينهم ودنياهم، فهم أمانةٌ في أعناقِكم، فعلِّموهم الخيرَ ووجِّهوهم للخير، وحذِّروهم من مبادئ الشرِّ على اختلافها وتلوُّن عباراتها.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
يا نساء المسلمين، اتقين الله تعالى في واجباتكن التي أمركن الله بها، أحسِنَّ إلى أولادكن بالتربية الإسلامية النافعة، واجتهدن في إعداد الأولاد إعدادًا سليمًا ناجحًا، فإن المرأة أشد تأثيرًا على أولادها من الأب، وليكن هو معينًا لها على التربية، والتزمن ـ يا نساء المسلمين ـ بآداب الإسلام, قال تعالى: ( فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا و َقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ لْجَـاهِلِيَّةِ الأولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَءاتِينَ الزَّكَـاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) [الأحزاب:32، 33].
وأطعن أزواجكن بالمعروف, واحفظن أعراضكن, والتزمن بالحجاب الشرعي بحشمة وعفة، وتصدّقن ولو من حليّكن، وابتعدن عن اللعن والغيبة والنميمة, فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((يا معشر النساء، تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار))، فقالت امرأة منهن جَزْلة: وما لنا ـ يا رسول الله ـ أكثر أهل النار؟ قال: ((تُكثرن اللعن, وتَكفُرن العشير))، تكثرن اللعن من سبّ وشتم وتجسس وغيبة ونميمة، وتكفرن العشير أي: تكفرن بنعمة الزوج، فلا تعرفن له طاعة، ولا معروفًا، ولا قدرًا، ولا نعمة.
فأحسني ـ أيتها المرأة المسلمة ـ إلى زوجك بالعشرة الطيبة، وبحفظه في عرضه وماله وبيته، وبرعاية حقوق أقاربه وضيفه وجيرانه، ولا تكلفيه ما لا يطيق من المصارف، وكوني مقتصدة لماله غير مسرفة فيه, وكوني طائعة له غير ناشزة, تفوزي برضا ربك والجنة، قال النبي: ((إذا صلَّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وأحصنت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت)).
أيّها المسلمون، تقبَّل الله طاعاتِكم وصالحَ أعمالكم، وقبِل صيامَكم في الأيام العشر وصدقاتكم ودعاءَكم، وضاعف لكم الأجر، وجعل عيدَكم مباركًا وأيّامَكم أيامَ سعادةٍ وهناء وفضلٍ وإحسان وعمل.
العيدُ المبارك لمن عمَر الله قلبَه بالهدى والتُّقى، في خُلُقٍ كريم وقلبٍ سليم، غنيٌّ محسن وفقير قانِع ومبتلًى صابِر، تعرِفهم بسيماهُم، رجالٌ صدَقوا ما عاهَدوا الله عليه. توبوا إلى الله ـ يا عباد الله ـ من جميع ذنوبكم وابدؤوا صفحة جديدة ملؤها الأعمال الصالحة.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ( مَنْ عَمِلَ صالحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [النحل:97].
اللهم اجعل عيدنا سعيدًا، اللهم أعده علينا أعوامًا عديدة وأزمنة مديدة، اللهم أعده على الأمة الإسلامية جمعاء وقد تحقق لها ما تصبو إليه من عز وكرامة وغلبة على الأعداء. أقول قولي هذا، وأسأل الله أن يبارك لي ولكم في القرآن، وينفعنا بما فيه من الآيات والهدى والبيان، وأن يرزقنا السير على سنة المصطفى من ولد عدنان.
الخطبة الثانية
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
الله أكبر كلّما ضجَّت الأصواتُ بالدعوات، الله أكبر كلّما تقرَّب العابدون بالصالحات، الله أكبر كلَّما تعرَّضوا لنفحاتِ الرحمن في عرفات، وكلّما سفَحت الأعين هنالك من العَبَرات، الله أكبر كلَّما تعاقب النورُ والظلُمات، الله أكبر عددَ ما خلق في السماء، الله أكبر عدَدَ ما خلَق في الأرض، الله أكبر عدَدَ كلِّ شيء، الله أكبر ملءَ كلِّ شيء، الله أكبر عدَدَ ما أحصاه كتابه ومِلءَ ما أحصاه كتابه.
الحمد لله ربِّ العالمين، أعزَّ بطاعته المتّقين، وأذلَّ بمعصيته الفاسقين، الذي نزَّل الكتابَ وهو يتولَّى الصالحين. أشهَد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له القويّ المتين، وأشهد أنّ نبيّنا وسيّدنا محمدًا عبده ورسوله الأمين، بعثه الله بين يدَيِ الساعة رحمةً للعالمين، لينذِر من كان حيًّا ويحقَّ القول على الكافرين، اللهمّ صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولك محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمّا بعد: فاتقوا الله ـ أيها المسلمون ـ تفلحوا، وأطيعوه تهتَدوا.
أيها المسلمون، زينوا عيدكم بالتكبير وعموم الذكر، يقول المصطفى : ((أيام العيد أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى)). وأدخلوا السرور على أنفسكم وأهليكم، واجعلوا فرحتكم بالعيد مصحوبة بتقوى الله وخشيته، ولا تنفقوا أموالكم أيام العيد فيما حرم الله، يقول علي : (كل يوم لا نعصي الله فيه فهو لنا عيد).
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
عباد الله، إنَّ يومكم هذا يومٌ فضيل وعِيدٌ عظيم جليل، يجتمع فيه الحجاجّ بمنى، يكمِّلونَ أنساكَ حجّهم، ويذبحون قرابينَهم للإله الحقّ لا ربَّ غيره، إِحياءً لسنّة أبيهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام بشرعِ نبيِّنا محمّد ، فقد أمر الله خليلَه إبراهيم بذبحِ ابنه الوحيد إسماعيلَ عليه السلام، فبادَرَ إلى ذلك مُسارِعًا، وأتى الأمر طائعًا، فلمّا أضجعه للذّبح سلَب الله السكينَ حدَّها، وعالج الذّبحَ بالسّكّين فلم تنفُذ في الرقبة، فلمّا اطَّلع الله على العزمِ الأكيد واليقينِ الوَطيد فدى الله إسماعيلَ عليه السلام بذِبحٍ عظيم، وفاز الخليلُ عليه الصلاة والسلام في هذا الابتلاء، وحقَّق درجةَ الخلّةِ التي لا تقبَل الشّرِكة، فأراد الله أن تكونَ خلّةُ إبراهيم خالصةً لله، لا يشاركه فيها محبّةُ الولد، والمحبّةُ والذلّ والانقياد هي العبادَة.
وقد وفَّى مقامَ الخلّةِ أيضًا سيّدُ البشر نبيّنا محمّد ، فقد اتخذه الله خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلاً. رواه البخاري .
ووَقفَ العالَم مطَّلِعًا على هذا الابتلاء لأبينَا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ورَوَتها الأجيالُ من جميعِ الملَلِ عبرَ التاريخ، معظِّمين هذا الإيمانَ الأعلى، وكان ذبحُ أبينا إبراهيم لفِداءِ ابنِه الذي فُدِي به من الرّبِّ تبارك وتعالى، كان سُنّةً في بنيه في هديِ الحجّ وأضاحي المسلمين.
جاء في فضلِ الأضحية عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيِّ : ((ما عمِل ابن آدم في يومِ أضحَى أفضل من دم يُهراق إلا أن يكونَ رحِمًا يوصَل)) رواه الطبراني، وعن أبي سعيد الخدريّ عن النبي قال: ((يا فاطمةُ، قومي إلى أضحيتك فاشهدِيها، فإنّ لك بكلِّ قطرةٍ من دمها أن يغفرَ لكِ ما سلف من ذنوبك))، قالت: يا رسولَ الله، ألنا خاصّة أهلَ البيت، أو لنا وللمسلمين؟ قال: ((بل لنا وللمسلمين)) رواه الطبراني والبزار.
واعلَموا أنّ الشاةَ تجزئ في الأضحية عن الرجل وأهلِ بيته، وتجزئ البدنةُ وهي الناقة عن سبعة، والبقرة عن سبعةٍ، ولا يجزئ من الضّأن إلا ما تمّ له ستّةُ أشهر، ولا من المعزِ إلاّ الثني وهو ما تمَّ له سنة، ولا يجزِئ من الإبل إلا ما تمَّ له خمس سنين، ولا من البقَر إلا ما تمّ له سنتان.
ويُستَحَبّ أن يتخيَّرها سمينةً صحيحة، ولا تجزئ المريضةُ البيِّن مرضُها، ولا العوراء، ولا العجفاء وهي الهزيلةُ، ولا العرجاءُ البيِّن ظلَعها، ولا العَضباء التي ذهب أكثرُ أُذنها أو قرنِها، وتجزئ الجمّاء والخصيّ.
والسّنّة نحرُ الإبل قائمةً معقولةَ اليدِ اليسرى، ويقول عند الذبح: بسم الله والله أكبر، اللهمّ هذا منك ولَك.
ويُستحَبّ أن يأكلَ ثُلُثًا، ويهدِيَ ثلثًا، ويتصدَّق بثلُث، ولا يعطي الجزارَ أجرتَه منها.
ووقتُ الذبح بعد صلاةِ العيدِ ويومان بعده باتفاق أهل العلم، واليومُ الذي بعد ذلك فيه خلاف بينهم، والأرجح جوازه.
عبادَ الله، تذكَّروا ما أمامَكم من الأهوالِ والأمور العِظام بعدَ الموت، وتفكَّروا فيمَن صلَّى معكم في هذا المكان في سالِفِ الزمان من الآباء والأحبَّة والإخوان، كيف خلَّفوا الدّنيا ووَارَاهم التّرابُ وانصرَفَ عنهم الأحباب، ولم ينفَعهم إلا ما قدَّموا، ولم يلازِمهم إلا ما عملوا، يتمنَّونَ استدراكَ ما فرط وفاتَ، وأنَّى للحياة الدنيا أن ترجِعَ للأموات؟!
وتفكَّروا في القرونِ الخالية العظام الشداد، الذين غرَسوا الأشجارَ، وأجرَوا الأنهار، واختَطّوا المدنَ والأمصار، وتمتَّعوا باللّذّات في طول أعمار، كيف نقِلوا إلى ظلُمات اللحود ومراتِع الدود، وإن ما أتى على الأوّلين سيأتي على الآخرين.
فأعِدّوا للحياةِ الطيّبة الأبديّة، ولا تركَنوا لحياةِ النّصَب والمكارِه والأذيّة، فليست السعادةُ في لبسِ الجديد ولا في أن تأتيَ الدنيا على ما يتمنَّى المرءُ ويريد، لكنّ السعادةَ والله في تقوى الله عز وجل والفوز بجنّة الخُلد التي لا يفنى نعيمُها ولا يبيد، والنجاة من نارٍ عذابها شديد، وقعرها بعيد، وطعامُ أهلِها الزقّوم والضّريع، وشَرابهم المهلُ والصّديد، ولِباسُهم القطِران والحديد.
عبادَ الله، اشكروا ربَّكم على ما منَّ الله به عَليكم في هذه البلادِ من الأمن والإيمان وعافِيةِ الأبدان وتيسُّر الأرزاقِ وتوفُّر مرافق الحياةِ وانطِفاء نارِ الفِتن المدمِّرة، واستديموا نعَمَ الله بشُكرِه وطاعته، وتذكروا إخوةً لكم في الإسلام في أصقاع من الأرض كثيرة يظلمون،كل جرمهم أنهم بربهم يؤمنون، وبدينهم متمسكون، فنهبت أموالهم، وهدمت ديارهم، وانتهكت أعراضهم، ويتِّم أطفالهم. فلم يجدوا ما يسدون به جوعتهم أو يسترون به عورتهم أو يحمون به أعراضهم أو داراً تقيهم حر الصيف أو برد الشتاء فهلاّ جعلت لهم أخي من دعائك حظاً ونصيباً هلا تضرعت بين يدي الله سائلاً المولى عز وجل أن ينصرهم على عدوهم وأن يفرج كربهم ويفك أسرهم ويرفع عنهم ماهم فيه من البلاء.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد .
اللهم إنّا خرجنا في هذا المكان نرجو رحمتَك وثوابَك، فتقبّل مساعيَنا وزكِّها، وارفع درجاتِنا وأعلها. اللهمّ آتنا من الآمالِ منتهاها، ومن الخيرات أقصاها. اللهم تقبّل ضحايانا وصدقاتنا. اللهمّ تقبّل دعاءنا يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين...إلى آخر ما يشاء الله من دعاء.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد...
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88]، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
ثم أما بعد
هذه خطبة عيد الأضحى التي خطبت بها لعام 1427هـ
أسأل الله أن ينفع بها ويجعلها خالصةً لوجهه الكريم وعلى سنة نبيه الصادق الأمين
ملخص الخطبة
1- الوصية بتقوى الله. 2- شكر الله على نعمه. 3- حِكم ومقاصد العيد. 4- الوصية بصلة الأرحام. 5- وصايا عامة. 6- الوصية بالوفاء وسداد الدّيون. 7- بعض ما يحاك للأمة الإسلام. 8- وصايا عامة لكل من الآباء والمعلمين ونساء المسلمين. 9- أهمية تقوى الله وذكر الله في العيد. 10-تضحية إبراهيم عليه السلام بابنه. 11- من أحكام الأضحية. 12- تذكير ومواعظ.
الخطبة الأولى
الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر
الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر
الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر
الله أكبر كبيرا والحمدلله كثيرا وسبحان الله بكرةً وأصيلا
الله أكبر كلما أحرم المحرمون من الميقات، وكلما لبى الملبون وزيد في الحسنات
الله أكبر كلما دخلوا فجاج مكة آمنين، وكلما طافوا بالبيت الحرام وسعوا بين الصفا والمروة ذاكرين لله مكبرين
الله أكبر ما وقف الحجيج بصعيد عرفات، وباتوا بمزدلفة في أحسن مبات، ورموا بمنى تلك الجمرات
الله أكبر كلما ارتفع علم الإسلام، وكلما طيف بالبيت الحرام، وكلما دكدكت دولة الأصنام
الله أكبر كلما لمع نجم ولاح، وكلما تضوع مسك وفاح، وكلما غرد حمام وناح
الله أكبر كلما رجع مذنب وتاب، وكلما رجع عبدٌ وأناب، وكلما وسد الأموات التراب
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد
الحمدلله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها قمراً منيرا، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيءٍ فقدره تقديرا.
ثم أمّا بعد: أيها المسلمون، اتقوا الله تعالى حق التقوى، فإن التقوى هي زمام الأمور، وهي وقاية للإنسان من الوقوع في المهالك والشرور، هي سبيل النجاة من النار دار الخزي والعار دار الجحيم والبوار, هي تكفير للسيئات ورفع للدرجات ومرضاة لمالك الأرض والسماوات، قال الله سبحانه في كتابه الفرقان: ( يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الأنفال:29].
عباد الله، اشكروا الله جل وعلا أن بلّغكم هذا اليوم العظيم وهذا الموسم الكريم، واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن يومكم هذا يوم مبارك، رفع الله قدره، وأعلى ذكره، وسماه يوم الحج الأكبر، وجعله عيدًا للمسلمين حجاجًا ومقيمين، فيه ينتظم عقد الحجيج على صعيد منى بعد أن وقفوا بعرفة وباتوا بمزدلفة، في هذا اليوم المبارك يتقرب المسلمون إلى ربهم بذبح ضحاياهم اتباعًا لسنة الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما أفضل الصلاة وأتم التسليم.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد
أيها المسلمون، إن العيد من شعائر الإسلام العظيمة الظاهرة، والعيد يتضمن معاني سامية جليلة ومقاصد عظيمة فضيلة وحِكمًا بديعة، فنحن نعيش الآن الساعات الأولى من يوم عيد النحر المبارك، يوم العيد الأكبر، الذي يلتقي فيه المسلمون على صعيد الحب والإخاء، يتبادلون أحاديث الود والصفاء، فتقوى صلاتهم وتتوثق أخوتهم، فيحمدون الله عز وجل على نعمة الشريعة الإسلامية التي جمعتهم برباطها، وألفت بين قلوبهم، وشدت بعضهم إلى بعض بعرى العقيدة والإيمان، فأصبح مثلهم في المودة والتراحم كمثل الجسد الواحد والبنيان المرصوص، فالتواصل بين المسلمين والتزاور وتقارب القلوب وارتفاع الوحشة وانطفاء نار الأحقاد والضغائن والحسد، فهذه حكمة من حكم العيد ومنافعه العظمى، فاقتدار الإسلام على جمع المسلمين في مكان واحد لأداء صلاة العيد آية على اقتداره على أن يجمعهم على الحق، ويؤلف بين قلوبهم على التقوى، فلا شيء يؤلف بين المسلمين سوى الحق؛ لأنه واحد، ولا يفرق بين القلوب إلا الأهواء لكثرتها، فالتراحم والتعاون والتعاطف صفة المؤمنين فيما بينهم،كما روى البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)).
والمحبة بين المسلمين والتواد غاية عظمى من غايات الإسلام، فجاهد نفسك ـ أيها المسلم ـ لتكون سليمَ الصدر للمسلمين، فسلامة الصدر نعيم الدنيا وراحة البدن ورضوان الله في الأخرى. فاجعل نفسك ممن يستحق التهنئة بفرحة هذا العيد السعيد، وإن من يستحق التّهنِئَةَ بالعيد هو الموسِر الذي يزرَع البسمةَ على شِفاه المحتاجين، والشَّفيقُ الذي يعطِف على الأرامِلِ واليتامى والمساكين فيعطيهم من مال الله الذي آتاه، والصحيحُ الذي يتفقَّد إخوانه المرضى والمقعَدين، والطّليق الذي يرعَى السجناءَ والمأسورين فيجعل لهم نصيباً من زياراته، والمقيم الذي لا ينسى إخوانه الوافدين فلهم حق البشاشة والتهنئة بالعيد.
وفي المقابِلِ أيّها المسلمون، ليس العيدُ لمن عقَّ والدَيه فحُرِم الرّضَا في هذا اليومِ المبارَك السعيد، وليس العيدُ لمن يحسُد الناسَ على ما آتاهم الله من فَضله، وليس العيدُ لخائنٍ غشّاش كذّاب يسعى بالأذَى والفسادِ والنميمةِ بين الأنام. كيف يسعَد بالعيد من تجمَّلَ بالجديد وقلبُه على أخيهِ أسود؟! كيف يفرح بالعيدِ من أضاع أموالَه في الملاهِي المحرَّمة والفسوقِ والفجور، يمنَع حقَّ الفقراء والضعفاء ولا يخشى البعثَ والنشور؟! لا يعرِف من العيدِ إلا المآكلَ والثوبَ الجديد، ولا يفقَه مِن معانيه إلاّ ما اعتاده من العاداتِ والتقاليد، ليس لهم منَ العيد إلا مظاهرُه، وليس لهم من الحظِّ إلى عواثِرُه.
فيا عباد الله، يا من آمنوا بالله ورسوله، انظروا في حالكم، انظروا في أقاربكم، هل قمتم بما يجب لهم عليكم من صلة؟! هل ألنتم لهم الجانب؟! هل أطلقتم الوجه لهم؟! هل شرحتم الصدور عند لقائهم؟! هل قمتم بما يجب لهم من محبة وتكريم واحترام؟! هل زرتموهم في صحتهم توددا؟! هل عدتموهم في مرضهم احتفاء وسؤالا؟! هل بذلتم لهم ما يجب من نفقة وسداد حاجة؟!
أيها المسلمون، هذه الاستفهامات وغيرها من الاستفهامات التي تقتضيها صلة الرحم يجب على الإنسان أن يحاسب نفسه عليها، فلينظر هل قام بما يجب عليه في هذا الأمر أم هو مفرط فيه، فالصلة أمارة على كرم النفس وسعة الأفق وطيب المنبت وحسن الوفاء، ومعاداة الأقارب شر وبلاء، الرابح فيها خاسر، والمنتصر مهزوم، وكل رحم آتية يوم القيامة أمام صاحبها تشهد له بصلة إن كان وصلها، وتشهد عليه بقطيعة إن كان قطعها. فاجعل عيد هذا اليوم منطلقا لوأد القطيعة وطيّ صحيفة الشقاق والنزاع، لوأدها مجالات واسعة يسيرة، فمن بشاشة عند اللقاء ولين في المعاملة إلى طيب في القول وطلاقة في الوجه، زيارات وصلات، تفقد واستفسار، مهاتفة ومراسلة، والرأي الذي يجمع القلوب على المودة، كفّ مبذول وبر جميل، وإذا أحسنت القول فأحسن الفعل.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، واهنَؤوا بعيدكم، والزموا الصلاحَ وأصلحوا، فالعيد يومُ فرَح وسرورٍ لمن قبِل الله منه أعماله وصحّت لله نيته، ويومُ ابتهاجٍ وتهانٍ لمن حسُن خُلُقه وطابَت سَرِيرتُه، يومُ عفوٍ وإحسان لمن عفَا عمّن هفا وأحسَن لمن أسَاء، يومُ عيدٍ لمن شَغَله عيبُه عن عيوبِ النّاس. والزَموا حدودَ ربِّكم، وصوموا عن المحارِمِ كلَّ دَهركم، تكُن لكم أعيادٌ في الأرض وأعيادٌ في السماء.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أيها المسلمون، اللهَ اللهَ في الصلاةِ مع الجماعةِ، فإنها نعمتِ الطاعة والبضاعَة، ومُروا بالمعروف أمرًا رفيقًا، وانهوا عن المنكر نهيًا حليمًا حكيمًا رقيقًا، فالحِسبة قِوام الدين، وبها نالت الأمّة الخيرية على العالمين، هي صمام الأمان في الأمة، فكونوا لها أوفياء، وبأهلها أحفياء، حتى لا تغرقَ سفينة الأمة. احفَظوا أقدارَ العلماء، وصونوا أعراضَ أهلِ الحسبة والدعاة الفُضَلاء، أطيعوا أمرَ من ولاّه الله من أموركم أمرًا، وحذار أن تقربوا من الفتنة شرَرًا ولا جمرًا، ولا تقحِموا في الخلافِ المعتبر إلا العلماء الثقات، لا زيدًا ولا عمرًا.
عليكم بالصدق والوفاء بالعهد والأمانة والحشمة والصيانة وبرِّ الوالدين وصلةِ الأرحام، تراحموا تلاحموا تسامحوا، وكونوا عبادَ الله إخوانًا. احذَروا الغشّ وقولَ الزور والكذب والخيانةَ، ولا تقرَبوا الزنا، واحذروا الربَا والرشوةَ، واجتنبوا المسكِرات والمخدّرات، فإنها من الكبائرِ وسببُ البلايا والجرائر، وإياكم والنميمةَ والغيبةَ والظلم والبهتان والشائعات والتساهلَ في حقوق العباد؛ فإنها مجلبةٌ لغَضَب الجبار والذلّةِ والصغار وحَطِّ الأقدار، بل هي الآثام والأوزار، أجارنا الله وإياكم من ذلك كلِّه. فاجتنبوا في جمعكم للأموالِ المسالكَ المعوجَّة والطرقَ الملتوِية والمخالفةَ للأحكام القرآنيّة والتوجيهاتِ النبويّة والقواعدِ الشرعية.
فيا أخي، إن كنتَ تحِبّ نجاتَك وترجو سعادتك فأطِب كسبَك ونقِّ مالَك وتخلَّص من حقوق غيرك، فرسول الله يقول: ((من كانت عندَه مظلمةٌ لأخيه من مالٍ أو عِرض فليأته فليستَحلِله من قبلِ أن يؤخَذَ منه وليسَ ثَمّ دينارٌ ولا دِرهم، فإن كانَت له حسناتٌ أخِذَ من حسناتِه لصاحِبِه، وإلاّ أخِذ من سيّئات صاحبه فطُرِحت عليه فطرِح في النار)) رواه البخاريّ. فما موقِفُك ـ يا عبد الله ـ من الأموالِ العامّة التي لك النفوذ فيها؟! هل اتقيتَ الله فيها ووضعتَ كلَّ شيء موضعَه، أم غلَلت ونهبتَ وتلاعبتَ؟! والله يقول: ( وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [آل عمران:161].
احذر ـ يا عبد الله ـ مماطلة الناس حقوقهم ، فإن ديننا يحثّ على رد الجميل والمكافأة للمعروف بمثله أو أحسن منه والدعاء لصاحبه، وقال : ((خير الناس أحسنهم قضاء)) متفق عليه، وأن لا ينوي المسلم استغلال أخيه ومماطلته وأكل ماله، فإنه إن نوى ذلك فقد عرض نفسه للعقوبة، قال رسول الله : ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله)) رواه البخاري. فعلى المسلم أن يتقي الله تعالى في ذلك، ويخشى عقوبته ووعيده الذي أخبر به ، وليبادر إلى رد القرض وأداء الدين عند حلوله دون تسويف أو مماطلة.
ما موقفك وحالُك من المسؤوليّة التي أُنيطَت بك؟! هل أدّيتَها حقَّ الأداء وأدّيت الأمانةَ فيها بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى؟! ما هي معاملاتك؟! تفكَّر فيها وتدبَّر، والتَزمِ الشرعَ، فالله سائِلُك عن مالك: من أين أتاك؟ وفيم أنفَقتَه؟
ا
لله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
معاشرَ المؤمنين، إنَّ المسلمين اليومَ تتقاذفُ بهم أمواجُ الفتَن، وتحيطُ بهم أسبابُ التفرُّق والشرور والإحن، يسعى الأعداءُ لتفريق صفوفهم، ويبذُلون كلَّ جهدٍ لبذرِ أسبابِ العداء بين أبنائهم، يفرَحون بخرقِ صفِّ المسلمين وتفريق كلِمتهم، ويسعَدون ببثِّ روح التباغُض في مجتمعاتهم وفُشوِّ الكراهيَّة بين شبابهم. وحينئذٍ فما أحوجَ المسلمين اليومَ للالتزام بالمنهجِ الذي تصفو به قلوبُهم، وتسلَم معه صدورُهم، وتُنشَر من خلاله مبادئُ المحبَّة والوئام في مجتمعاتهم، فاحذَروا دعاةَ السوء والفساد وإن تظاهروا بالإصلاح، فالله يعلم إنهم مفسِدون، إنهم يسعَونَ في الأرض فسادًا، ولا يريدون لكم خيرًا ولا صلاحًا. فاتَّقوا الله في أنفسكم، واحذروا الدعاياتِ المضلِّلة والإعلامَ الجائِر الذي يحاوِل أن يصوِّرَ أنّه مصلِحٌ وأنّه ينصَح ويوجِّه، والله يعلم أنه مفسِد وأنّ هدفَه السوء، ولكن كما قال الله: ( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ) [فاطر: 43].
واعلموا أن لكم أعداء ـ يا أمة الإسلام ـ يعملون ويخططون ليل نهار، ويحبّون إشعالَ الفتن واستطار شرِّها، يحبون ذلك ويكرَهون للأمة أن تعيشَ في أمنٍ واستقرار وراحةِ بال، لا يرضيهم ذلك بل يحبّون أن تكونَ بلادُ الإسلام دائمًا بلادَ فِتَن واضطراباتٍ وانقسامات، فهم يُذكون كلَّ بلاء، ويشعِلون النزاعَ الطائفي والنزاعَ القَبلي إلى غير ذلك مِن كلّ ما يمكِنهم من تفريقِ الأمّةِ وضربِ بعضِها ببعض. وإعلانهم المعادي للإسلام وأهله وأعمالهم المشينة الخطيرة من تكفيرٍ وتفجير وتبديعٍ وتضليلٍ وإحداثِ فوضى في الأمّة وراءَها أعداءُ الإسلام، يذكون نارَها، وإنَّ أهلَ هذه البلادِ ـ بلادِ الحرمين ـ وهم يعيشون نِعَمًا عُظمى وخيراتٍ كثيرة فهم محسودُون من أعداء الإسلام والمسلمين، لذا حَريٌّ بأهلها وحريٌّ بأهل الإسلام في كلِّ مكان الاجتماعُ على السنّة والهدى والتعاونُ على البرّ والتقوى، وواجبٌ على المسلمين في هذه البلاد أن يكونوا يدًا واحدةً مع ولاةِ أمورهم ومع علمائهم لتحقيقِ المنافعِ الخيِّرة والمصالح المرجوَّة، وأن يحذَر الجميع أسبابَ التدابرُ والتباغض وطرقَ التنازع والتفرُّق؛ حتى يسلمَ للناسِ دينهم، وتسلمَ لهم دنياهم، ويعيشوا في ظلِّ أمن وأمان ورغدٍ ورَخاء. فكونوا على حَذَر من أعدائكم، فهم ـ والله ـ الأعداءُ وإن أظهَروا لكم المحبّةَ والنصيحة. وأي محبةٍ ونصيحة وهم يسعون للإفساد والخراب والتفجير والتكفير في بلدٍ تحكم شرع الله وتدعوا إلى دين الله وتأمر بما يرضي الله وتنهى عما يغضب الله، اللهم إنا نعوذ بك من عمى البصيرة، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ولا تلبسهما علينا ياربنا.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد
أيها الآباءُ والأمهات، واجبُكم تقوى الله في أبنائكم، رَبّوهم التربيةَ الصالحة، راقبوا سلوكَهم وتصرّفاتهم، حذِّروهم من مجالسِ السّوء ومن دعاةِ الباطل والضلال الذين يسعَونَ لتَلويثِ أفكارهم وإدخالِ أمور في أفكارهم هي بعيدةٌ كلَّ البُعد عن دينهم وعن مصالحِ دُنياهم.
أيّها المربّون، رجالَ التربية والتعليم، واجبُ الجميعِ الأخذُ على أيدي أبنائنا، وتوجيهُهم التوجيهَ السليم، وتحذيرهم من كلِّ أمر فيه ضررٌ عليهم في دينهم ودنياهم، فهم أمانةٌ في أعناقِكم، فعلِّموهم الخيرَ ووجِّهوهم للخير، وحذِّروهم من مبادئ الشرِّ على اختلافها وتلوُّن عباراتها.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
يا نساء المسلمين، اتقين الله تعالى في واجباتكن التي أمركن الله بها، أحسِنَّ إلى أولادكن بالتربية الإسلامية النافعة، واجتهدن في إعداد الأولاد إعدادًا سليمًا ناجحًا، فإن المرأة أشد تأثيرًا على أولادها من الأب، وليكن هو معينًا لها على التربية، والتزمن ـ يا نساء المسلمين ـ بآداب الإسلام, قال تعالى: ( فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا و َقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ لْجَـاهِلِيَّةِ الأولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَءاتِينَ الزَّكَـاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) [الأحزاب:32، 33].
وأطعن أزواجكن بالمعروف, واحفظن أعراضكن, والتزمن بالحجاب الشرعي بحشمة وعفة، وتصدّقن ولو من حليّكن، وابتعدن عن اللعن والغيبة والنميمة, فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((يا معشر النساء، تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار))، فقالت امرأة منهن جَزْلة: وما لنا ـ يا رسول الله ـ أكثر أهل النار؟ قال: ((تُكثرن اللعن, وتَكفُرن العشير))، تكثرن اللعن من سبّ وشتم وتجسس وغيبة ونميمة، وتكفرن العشير أي: تكفرن بنعمة الزوج، فلا تعرفن له طاعة، ولا معروفًا، ولا قدرًا، ولا نعمة.
فأحسني ـ أيتها المرأة المسلمة ـ إلى زوجك بالعشرة الطيبة، وبحفظه في عرضه وماله وبيته، وبرعاية حقوق أقاربه وضيفه وجيرانه، ولا تكلفيه ما لا يطيق من المصارف، وكوني مقتصدة لماله غير مسرفة فيه, وكوني طائعة له غير ناشزة, تفوزي برضا ربك والجنة، قال النبي: ((إذا صلَّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وأحصنت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت)).
أيّها المسلمون، تقبَّل الله طاعاتِكم وصالحَ أعمالكم، وقبِل صيامَكم في الأيام العشر وصدقاتكم ودعاءَكم، وضاعف لكم الأجر، وجعل عيدَكم مباركًا وأيّامَكم أيامَ سعادةٍ وهناء وفضلٍ وإحسان وعمل.
العيدُ المبارك لمن عمَر الله قلبَه بالهدى والتُّقى، في خُلُقٍ كريم وقلبٍ سليم، غنيٌّ محسن وفقير قانِع ومبتلًى صابِر، تعرِفهم بسيماهُم، رجالٌ صدَقوا ما عاهَدوا الله عليه. توبوا إلى الله ـ يا عباد الله ـ من جميع ذنوبكم وابدؤوا صفحة جديدة ملؤها الأعمال الصالحة.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ( مَنْ عَمِلَ صالحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [النحل:97].
اللهم اجعل عيدنا سعيدًا، اللهم أعده علينا أعوامًا عديدة وأزمنة مديدة، اللهم أعده على الأمة الإسلامية جمعاء وقد تحقق لها ما تصبو إليه من عز وكرامة وغلبة على الأعداء. أقول قولي هذا، وأسأل الله أن يبارك لي ولكم في القرآن، وينفعنا بما فيه من الآيات والهدى والبيان، وأن يرزقنا السير على سنة المصطفى من ولد عدنان.
الخطبة الثانية
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
الله أكبر كلّما ضجَّت الأصواتُ بالدعوات، الله أكبر كلّما تقرَّب العابدون بالصالحات، الله أكبر كلَّما تعرَّضوا لنفحاتِ الرحمن في عرفات، وكلّما سفَحت الأعين هنالك من العَبَرات، الله أكبر كلَّما تعاقب النورُ والظلُمات، الله أكبر عددَ ما خلق في السماء، الله أكبر عدَدَ ما خلَق في الأرض، الله أكبر عدَدَ كلِّ شيء، الله أكبر ملءَ كلِّ شيء، الله أكبر عدَدَ ما أحصاه كتابه ومِلءَ ما أحصاه كتابه.
الحمد لله ربِّ العالمين، أعزَّ بطاعته المتّقين، وأذلَّ بمعصيته الفاسقين، الذي نزَّل الكتابَ وهو يتولَّى الصالحين. أشهَد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له القويّ المتين، وأشهد أنّ نبيّنا وسيّدنا محمدًا عبده ورسوله الأمين، بعثه الله بين يدَيِ الساعة رحمةً للعالمين، لينذِر من كان حيًّا ويحقَّ القول على الكافرين، اللهمّ صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولك محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمّا بعد: فاتقوا الله ـ أيها المسلمون ـ تفلحوا، وأطيعوه تهتَدوا.
أيها المسلمون، زينوا عيدكم بالتكبير وعموم الذكر، يقول المصطفى : ((أيام العيد أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى)). وأدخلوا السرور على أنفسكم وأهليكم، واجعلوا فرحتكم بالعيد مصحوبة بتقوى الله وخشيته، ولا تنفقوا أموالكم أيام العيد فيما حرم الله، يقول علي : (كل يوم لا نعصي الله فيه فهو لنا عيد).
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
عباد الله، إنَّ يومكم هذا يومٌ فضيل وعِيدٌ عظيم جليل، يجتمع فيه الحجاجّ بمنى، يكمِّلونَ أنساكَ حجّهم، ويذبحون قرابينَهم للإله الحقّ لا ربَّ غيره، إِحياءً لسنّة أبيهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام بشرعِ نبيِّنا محمّد ، فقد أمر الله خليلَه إبراهيم بذبحِ ابنه الوحيد إسماعيلَ عليه السلام، فبادَرَ إلى ذلك مُسارِعًا، وأتى الأمر طائعًا، فلمّا أضجعه للذّبح سلَب الله السكينَ حدَّها، وعالج الذّبحَ بالسّكّين فلم تنفُذ في الرقبة، فلمّا اطَّلع الله على العزمِ الأكيد واليقينِ الوَطيد فدى الله إسماعيلَ عليه السلام بذِبحٍ عظيم، وفاز الخليلُ عليه الصلاة والسلام في هذا الابتلاء، وحقَّق درجةَ الخلّةِ التي لا تقبَل الشّرِكة، فأراد الله أن تكونَ خلّةُ إبراهيم خالصةً لله، لا يشاركه فيها محبّةُ الولد، والمحبّةُ والذلّ والانقياد هي العبادَة.
وقد وفَّى مقامَ الخلّةِ أيضًا سيّدُ البشر نبيّنا محمّد ، فقد اتخذه الله خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلاً. رواه البخاري .
ووَقفَ العالَم مطَّلِعًا على هذا الابتلاء لأبينَا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ورَوَتها الأجيالُ من جميعِ الملَلِ عبرَ التاريخ، معظِّمين هذا الإيمانَ الأعلى، وكان ذبحُ أبينا إبراهيم لفِداءِ ابنِه الذي فُدِي به من الرّبِّ تبارك وتعالى، كان سُنّةً في بنيه في هديِ الحجّ وأضاحي المسلمين.
جاء في فضلِ الأضحية عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيِّ : ((ما عمِل ابن آدم في يومِ أضحَى أفضل من دم يُهراق إلا أن يكونَ رحِمًا يوصَل)) رواه الطبراني، وعن أبي سعيد الخدريّ عن النبي قال: ((يا فاطمةُ، قومي إلى أضحيتك فاشهدِيها، فإنّ لك بكلِّ قطرةٍ من دمها أن يغفرَ لكِ ما سلف من ذنوبك))، قالت: يا رسولَ الله، ألنا خاصّة أهلَ البيت، أو لنا وللمسلمين؟ قال: ((بل لنا وللمسلمين)) رواه الطبراني والبزار.
واعلَموا أنّ الشاةَ تجزئ في الأضحية عن الرجل وأهلِ بيته، وتجزئ البدنةُ وهي الناقة عن سبعة، والبقرة عن سبعةٍ، ولا يجزئ من الضّأن إلا ما تمّ له ستّةُ أشهر، ولا من المعزِ إلاّ الثني وهو ما تمَّ له سنة، ولا يجزِئ من الإبل إلا ما تمَّ له خمس سنين، ولا من البقَر إلا ما تمّ له سنتان.
ويُستَحَبّ أن يتخيَّرها سمينةً صحيحة، ولا تجزئ المريضةُ البيِّن مرضُها، ولا العوراء، ولا العجفاء وهي الهزيلةُ، ولا العرجاءُ البيِّن ظلَعها، ولا العَضباء التي ذهب أكثرُ أُذنها أو قرنِها، وتجزئ الجمّاء والخصيّ.
والسّنّة نحرُ الإبل قائمةً معقولةَ اليدِ اليسرى، ويقول عند الذبح: بسم الله والله أكبر، اللهمّ هذا منك ولَك.
ويُستحَبّ أن يأكلَ ثُلُثًا، ويهدِيَ ثلثًا، ويتصدَّق بثلُث، ولا يعطي الجزارَ أجرتَه منها.
ووقتُ الذبح بعد صلاةِ العيدِ ويومان بعده باتفاق أهل العلم، واليومُ الذي بعد ذلك فيه خلاف بينهم، والأرجح جوازه.
عبادَ الله، تذكَّروا ما أمامَكم من الأهوالِ والأمور العِظام بعدَ الموت، وتفكَّروا فيمَن صلَّى معكم في هذا المكان في سالِفِ الزمان من الآباء والأحبَّة والإخوان، كيف خلَّفوا الدّنيا ووَارَاهم التّرابُ وانصرَفَ عنهم الأحباب، ولم ينفَعهم إلا ما قدَّموا، ولم يلازِمهم إلا ما عملوا، يتمنَّونَ استدراكَ ما فرط وفاتَ، وأنَّى للحياة الدنيا أن ترجِعَ للأموات؟!
وتفكَّروا في القرونِ الخالية العظام الشداد، الذين غرَسوا الأشجارَ، وأجرَوا الأنهار، واختَطّوا المدنَ والأمصار، وتمتَّعوا باللّذّات في طول أعمار، كيف نقِلوا إلى ظلُمات اللحود ومراتِع الدود، وإن ما أتى على الأوّلين سيأتي على الآخرين.
فأعِدّوا للحياةِ الطيّبة الأبديّة، ولا تركَنوا لحياةِ النّصَب والمكارِه والأذيّة، فليست السعادةُ في لبسِ الجديد ولا في أن تأتيَ الدنيا على ما يتمنَّى المرءُ ويريد، لكنّ السعادةَ والله في تقوى الله عز وجل والفوز بجنّة الخُلد التي لا يفنى نعيمُها ولا يبيد، والنجاة من نارٍ عذابها شديد، وقعرها بعيد، وطعامُ أهلِها الزقّوم والضّريع، وشَرابهم المهلُ والصّديد، ولِباسُهم القطِران والحديد.
عبادَ الله، اشكروا ربَّكم على ما منَّ الله به عَليكم في هذه البلادِ من الأمن والإيمان وعافِيةِ الأبدان وتيسُّر الأرزاقِ وتوفُّر مرافق الحياةِ وانطِفاء نارِ الفِتن المدمِّرة، واستديموا نعَمَ الله بشُكرِه وطاعته، وتذكروا إخوةً لكم في الإسلام في أصقاع من الأرض كثيرة يظلمون،كل جرمهم أنهم بربهم يؤمنون، وبدينهم متمسكون، فنهبت أموالهم، وهدمت ديارهم، وانتهكت أعراضهم، ويتِّم أطفالهم. فلم يجدوا ما يسدون به جوعتهم أو يسترون به عورتهم أو يحمون به أعراضهم أو داراً تقيهم حر الصيف أو برد الشتاء فهلاّ جعلت لهم أخي من دعائك حظاً ونصيباً هلا تضرعت بين يدي الله سائلاً المولى عز وجل أن ينصرهم على عدوهم وأن يفرج كربهم ويفك أسرهم ويرفع عنهم ماهم فيه من البلاء.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد .
اللهم إنّا خرجنا في هذا المكان نرجو رحمتَك وثوابَك، فتقبّل مساعيَنا وزكِّها، وارفع درجاتِنا وأعلها. اللهمّ آتنا من الآمالِ منتهاها، ومن الخيرات أقصاها. اللهم تقبّل ضحايانا وصدقاتنا. اللهمّ تقبّل دعاءنا يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين...إلى آخر ما يشاء الله من دعاء.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد...
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88]، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.